منتدى الجامعة العربية
عزيزي الزائر اهلا بك في اسرة منتديات الجامعة العربية هذه الرساله تفيد بأنك غير مسجل يتوجب عليك التسجيل لتتمكن من رؤية روابط التحميل والمساهمة في المنتدى - كما يجب وضع رد لرؤية الروابط


للتميز عنوان - شاركنا الحلم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
سبحان الله والحمد لله لا اله الا الله و الله اكبر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
قم بحفض و مشاطرة الرابط الجغرافيا كما يجب ان تكون على موقع حفض الصفحات
الإبحار
 البوابة
 الفهرس
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 باوبو والعالمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3169
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: باوبو والعالمة   السبت مايو 03, 2008 5:43 pm




باوبو والعالمة

شمولية الوظيفة الأدبية وتفرعها‏

نعتقد أن الأدب هو أصل النطق وليس العكس. نحن لا نحتاج إلى النطق لولا الأدب، لولا الكون الأدبي الذي رسمته مخيلة البشرية، لولا الانفعالات الأدبية والتأملات الخيالية.‏

شؤوننا اليومية وأمورنا الحياتية لا تحتاج إلى لغة. يمكن بالإشارة أن نقضي كل حوائجنا ونحقق جميع اهتماماتنا المادية. لكن الخيال الأدبي وحده أجبرنا على اللغة. ودورة الحياة أو دورة الطبيعة وصفحة الكون الأدبي وخارقة الولادة ولغز الموت أنطق الأحياء وجعل لهم لغتهم. ومن الأدب خرجت جميع اللغات: لغة الفلسفة ولغة المنطق ولغة العلوم ولغة التاريخ...‏

كل شيء كان ملقى على كاهل الأدب. فالشاعر القديم هو الشامان والساحر والطبيب والمغني والراقص وضارب الإيقاع وعازف الناي والارغن والقيثارة. أليس مخاطب الأرواح ورسول الآلهة؟ إذن كل شيء مطلوب منه.‏

ولكن مع الأيام وتضخم السكان وتوسع المطالب وكثرة الحرف المتفرعة عن الحرف الأم، لابد أن يكون ثمة اختصاص. ولابد للملحمة من أن تلد الأبناء من مسرحية وقصة وقصيدة وألغوزة وحدوتة وحكاية ورواية ورومانس وأمثولة.. وغير ذلك مما لا مجال لوضع مسرد فيه. لكن كل هذه الفروع تخضع لنظام أدبي واحد، سبق أن تحدثنا عنه بأنه يعكس دورة الطبيعة. فالنظام الأدبي هو وليد الخيال الأدبي: صاغته دورة الطبيعة، وأغنته الطقوس والشعائر المختلفة.‏

لكن هذا لم يمنع انتقال الطقوس والشعائر إلى المعابد بعد أن كانت تقام في الطبيعة. كما ظهر التخصص، فلكل معبد كاهن أو كاهنة. وطقوس أثينا بدأت تستقل عن طقوس أبولو أو طقوس باخوس أو ديمتر. لكن كل هذا التخصص لا يخرج عن النظام العام للأدب.‏

لاشك أن القرن العشرين لعب دوراً كبيراً في إقناعنا أن العالم يسير إلى المزيد من التخصص. وقد بدأت هذه القناعة تترسخ منذ القرن التاسع عشر. وإذا كان هذا ينطبق على الحرف والمهن والصناعات والإلكترونيات الحديثة وغير ذلك مما نراه من فروع ينحصر اختصاصها بجزئيات صغيرة جداً، فإنه في الأدب يجب أن يعامل بحذر. لقد سعى هربرت سبنسر في القرن التاسع عشر إلى نقل نظرية التطور في العلوم والمجتمع إلى الأدب، وذهب إلى أن الأدب والفنون تسير كبقية الظواهر الاجتماعية الأخرى من العمومية إلى التخصص. وقد صرنا اليوم نرى إيغالاً في التخصص. فحتى طب الأسنان تفرع إلى عدة اختصاصات. وهذا يعزز نظرية سبنسر.‏

وتبدو نظرية سبنسر واقعية جداً في هذا المجال، ولكن في مجال الفنون والآداب فإن الأمر يختلف. فما الذي تفرع في الرسم مثلاً، وهل يحق لنا أن نقيسه أو نطبق عليه ما انطبق على العلوم؟‏

والذي نراه أن الأدب يسير مسيرة جدلية، فالأصول والفروع موجودة وإن مالت كفة على كفة في هذه المرحلة أو تلك. لقد ظهرت السينما واقتضت نوعاً جديداً من الكتابة هي السناريو الذي يعتبر فرعاً من الفن التمثيلي القديم. وهذا الفرع جديد كل الجدة، ولا نستطيع الزعم أنه لا يختلف عن الكتابة المسرحية. ولكنه منصاع كل الانصياع لقوانين الأدب فهو-إن صح التعبير- رواية مجسدة. إن السينما نقلت الأدب نقلة فنية كبيرة، ولكنها لم تخرق قانوناً واحداً من قوانين الأدب. فالشاشة تقدم لنا البطل والمخادع والأب السادر أو الأب الضحية والأم المستهترة أو الأم الحريصة على الأسرة، وغير ذلك من الشخصيات الأدبية المعروفة منذ القديم، والتي ابتكرها النظام الأدبي لتأدية وظائف محددة.‏

ونرى اليوم ما رأيناه في القديم. فقد نرى من اختص بالشعر دون سواه، أو من جمع بين الشعر والقصة، أو حتى نرى شخصاً يجمع الشعر والرواية والمسرحية والرسم والموسيقى والنحت والتصوير إن فرجيل وميشيل آنجلو نموذجان قائمان منذ القديم ويتكرران مع مرور الحقب والعصور باستمرار. وتلعب المواهب والاستعدادات دورها في هذا المجال قديماً واليوم وغداً.‏

ولو نظرنا في الآداب القديمة لما وجدناها مختلفة-في هذا المجال- عن الآداب الحديثة: هوميروس لم يعمل إلا بالملحمة، وسوفوكليس لم يكتب إلا بالمسرح وأرسطو لم يمارس إلا النقد الأدبي، وارستوفانز اختص بالكوميديا فقط، ويوربيدس اختص بالتراجيديا من دون غيرها، وسافو لم تصدح إلا بأغاني الحب والزفاف... الخ.‏

لقد كان فكتور هيغو شاعراً وروائياً ومسرحياً وناقداً أدبياً. وقد أحدثت مقدمته لمسرحية كرومويل ضجة وصراعاً. فلو بحثنا عن مثيل له بين القدماء لأعيانا البحث؛ ولو عثرنا على نظير له لكان عدد النظراء القدامى أقل من عدد نظرائه المحدثين. ولكن هل يجيز لنا ذلك الادعاء أن الأدب يسير عكس ما قاله سبنسر، أي من التخصص إلى العمومية؟‏

إن قوانين الأدب لم تدرس كما يجب، فلا غرابة والحالة هذه أن يكون الأدب تابعاً وملحقاً بغيره. وفي اليوم الذي تدرس فيه قوانين الأدب باعتبارها قوانين مستقلة فإننا سوف نقف على"تاريخ تطور" الأدب الذي يختلف-ولا شك- عن التواريخ التطورية الأخرى، من غير أن يعني كلامنا حجر الأدب في زنزانة انفرادية، فالاستقلال لا يعني قطع التواصل مع بقية القوانين بحيث ننفي التفاعل بينها.‏

في زعمنا أن اختيار نمط أدبي ودراسته في تطوره عبر أحقاب من الزمن يفيدنا أكثر من المساجلات والنقاشات النظرية. وقد اخترنا نمطاً أولياً تجلى في شخصيتين، الأولى قديمة جداً، والثانية حديثة جداً. الأولى نقول عنها أنها أسطورية، والثانية لا نشك في أنها واقعية. الأولى الأسطورية هي باوبو. أما الواقعية جداً فهي العالمة كما سماها المصريون أو المغنية كما سماها أسلافنا العرب.‏

ولنا مأرب في اختيار هذا النمط، وهو أنه يمثل الأدب تمثيلاً حقيقياً. فالأدب منذ القديم لم ينفصل عن التمثيل والرقص والموسيقى والإيقاع والإنشاد وآداب المجالس. فهذا النمط الذي اخترناه يجمع بين الأدب والفن أكثر من غيره. وسوف نبحث فيما إذا كان التغير أو الانزياح الذي يطرأ على النمط يؤثر في الوظيفة التي يؤديها، هذه الوظيفة التي لا تنتهي إلا إذا انتهت الحاجة إليها.‏

* * *‏

بابو هي مرضعة ديمتر(سبرس) ومربيتها، وديمتر هي ربة الأرض التي تهبها الحنطة والحبوب وتعتني بها. رأى هاديس(بلوتو) ملك العالم السفلي ابنتها برسيفوني(بروسربين) فاستدرجها بوردة عجيبة واختطفها يساعده هرمس إلى العالم السفلي. وهنا طار صواب ديمتر، فقد طلبت ابنتها فما وجدتها. طافت أرجاء المعمورة وهي تسأل عن ابنتها فلم يجبها أحد.‏

كانوا جميعاً يعرفون قصة خطف برسيفوني، ولكن من يجرؤ على البوح بهذا السر، وأين يهرب من ملك الموت؟ حتى سكان الأولمب لم يجرؤوا على الجهر بما يعرفون. تركت ديمتر عملها وراحت تبحث عن ابنتها، فأمحلت الحقول وما عادت تنبت زرعاً ولا تمنح البشر الحنطة، فعمت المجاعة كل بني البشر وتضرعوا إلى سكان الأولمب الذين لم يعرفوا بادئ الأمر ماذا يفعلون، فالبشرية مهددة بالمجاعة فالانقراض.‏

هنا يأتي دور مربيتها بابو التي كانت مشهورة بالرزانة والحكمة والاحتشام، وهل يعقل لمربية ديمتر، أعظم المقدسات القديمة وأجزلها منفعة لبني البشر الا تكون رزينة وحكيمة ومحتشمة؟؟؟‏

الناس جياع والأرض موات. وإن استمرت ديمتر في الإضراب عن العمل فإن البشرية سوف تنقرض. لابد أن تبتسم ديمتر وترضى حتى تعود الأرض إلى الإخصاب وتقديم الخيرات للبشرية فلابد من إدخال المسرة على قلبها. لابد من أن تبعد اليأس والقنوط عنها إنقاذاً لها وللبشرية. روت لها الأخبار وقصص الأبطال وتاريخ الأقوام، فما تزحزحت عن موقفها. غنت لها كل الأغاني المفرحة والسعيدة، فما ازدادت إلا تقطيباً. الناس تتضور جوعاً والأرض تشكو من المحل، وديمتر لا تغير موقفها. لقد أضربت عن العمل. أخيراً راحت بابو ترقص وتغني لها وهي تخلع عنها ملابسها ثوباً ثوباً، وتأتي بحركات شبه خلاعية وتروى لها النكات تلو النكات، ومنها بعض النكات الشائنة، فإذا ديمتر تبتسم ثم تضحك... وعندئذ أخبرتها الشمس بقصة ابنتها، فاشتكت إلى سكان الأولمب، فحكموا على ملك الموت بإعادة برسيفوني نصف عام تقضيه عند ديمتر والنصف الثاني تقضيه عنده. وبعودة برسيفوني عادت ديمتر إلى عملها وأخرجت الأرض زرعها وامتلأت أهراء الناس بالحنطة، وعم الفرح بين الأهلين فأقاموا لها المعابد وقدسوا أسرارها، وصارت بمستوى الأسرار الديونيسية.‏

إن هذه القصة الأسطورية تبين بوضوح الدور الذي لعبته بابو في إعادة ديمتر إلى مزاجها وطبيعتها، وإلا قضى المحل على البشرية. كانت تعرف متى تقدم لها الطعام ومتى تأتيها بصحن الفاكهة، ومتى يجب أن تشرب ديمتر الخمرة التي تنعش الفؤاد وتجدد النشاط وتطرد الكآبة وتعيد الحيوية. وكانت في اهتمامها هذا لا تنسى أن تسامرها وتسليها بالأشعار وتروي لها التاريخ والنكات، كما كانت ترقص وتغني لها وتأتي بحركات مضحكة، وهي المحتشمة الرزينة.‏

ولما رأت أن ديمتر لم تبتسم إلا لهذه الحركات، فقد اعتمدتها في رقصاتها المسلية التي كانت تبهج قلب هذه الحزينة الغاضبة الثائرة المأزومة الملتاعة. وكانت أثناء رقصها هذا تصدح بصوت حلو فتريح أعصاب هذه الربة المستنفرة.‏

منذ باوبو، وربما قبل باوبو بآلاف السنين، تحددت أهداف المسامرة وطقوسيتها. وما تزال مستمرة حتى الآن، على الرغم من الانزياحات التي تعرضت لها باوبو. فغوته مثلاً، في الجزء الأول من"فاوست" يأتي بها إلى الجبل والبورغ مع بقية الساحرات الغاويات، ولكنه يجعلها شيخة أثقلتها السنون، تتقدم مواكب الساحرات. لقد انزاح كثيراً عن أسطورة باوبو، إلا أن غرض دانتي الذي دفعه إلى هذا الانزياح هو حاجته الأدبية.‏

إذن تقوم باوبو، مربية ديمتر وحاضنتها، بوظيفة محددة هي"إزالة الهم والكرب عن القلوب الحزينة والمعذبة"، كما نقول تماماً في هذه الأيام. أنها تؤدي وظيفة هامة جداً في المجتمع.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3169
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: باوبو والعالمة   السبت مايو 03, 2008 5:43 pm

إنها مهنة تصنيع الفرح، التي لا يستطيع البشر الاستغناء عنها، مثل ديمتر تماماً.‏

باوبو المربية الرصينة المحتشمة، والحزينة أيضاً لحزن ديمتر، ترقص وتغني وتسرد الحواديت وقصص التاريخ وتقدم الطعام والشراب والفاكهة، وكل ما يتطلبه إدخال الفرح إلى النفوس، وتعديل المزاج، كما يقول المصريون. وعندما قامت باوبو بهذه الوظيفة لم تكن سعيدة ولا مبتهجة بل كانت حزينة بائسة. إن هذا النمط الأولي يشير إلى أن صانع الفرح ليس من الضروري أن يكون فرحاً سعيداً حتى يؤدي وظيفته... ويبدو أنها قاعدة ثابتة، إذ ما نزال نشاهدها حتى أيامنا هذه.‏

هذه الوظيفة لم تنقطع يوماً من مجتمع من المجتمعات تقريباً. ولكن ليس من المحتم أن تتكرر طقوسية المسامرة بالحرفية التي كانت تؤديها باوبو. فليس حتماً أن تكون صانعة الفرح دائماً حزينة، ولا أن تجيد كل هذه الفنون دفعة واحدة من غناء ورقص وعزف وضرب صنج، واهتمام بطعام المسامرة وشرابها. فالمواهب-كما أشرنا متفردة ومختلفة وليس من الضروري أن تجتمع في شخصية واحدة. فلا يطلب من عديمة الموهبة في الرقص أن ترقص، ولا من ذات الصوت الناشز أن تغني. فأي مانع في أن توزع هذه الأدوار على أصحاب المواهب، إن لم يعثر على من اجتمعت فيها كل هذه الأدوار؟ ولهذا سوف نرى أنه إلى جانب باوبو كانت هناك فرق خاصة لصناعة الفرح. فليس حتماً أن نعثر باستمرار على باوبو.‏

مثل هذه الوظيفة التي قامت بها ظئر ديمتر ظلت مسندة إلى الإناث، خاصة بهن. قد تكون العالمة لا تجيد الغناء فيؤتى لها بالمغنين. ولكننا لم نسمع أن أحداً من الرجال قام بهذه الوظيفة. كان دور الرجل دوراً متمماً دائماً. قد يكون الرجل نديماً ولكنه لا يرقى إلى آداب المسامرة التي تقوم بها النساء. وفرق كبير بين المنادمة والمسامرة: المسامرة تشتمل على المنادمة، وليس العكس، لأن المنادمة هي المشاركة في الشراب أصلاً، أما المسامرة فإنها تضيف إلى ذلك الأخبار والنوادر والعزف والرقص... إلى آخره، والمنادمة قد تكون صباحاً كما يخبرنا أبو نواس، إلا أن المسامرة لا تكون إلا ليلاً.‏

العالمات انحدرن من باوبو واتخذن صفاتها الوظيفية، فقد تبتسم العالمة وتضحك وهي حزينة النفس مفطورة القلب. وقد تمد يدها إلى كأس شراب أو تفاحة من دون رغبة، ولكنها الوظيفة... باختصار ثمة مواصفات لابد من توافرها حتى تكون المرأة"عالمة"، وهي المواصفات ذاتها منذ العهود السحيقة، لم تتبدل ولم تتغير ولم يحدث لها ما حدثنا عنه هربرت سبنسر.‏

المصريون، أعظم صناع الفرح-والحزن أيضاً- هم أول من أطلق على من تقوم بهذه الوظيفة اسم عالمة. وقد أجادوا التشخيص تماماً. وهم المؤهلون لاستنباط هذه الكلمة، فقد جاء في الأساطير أن المصريين سمعوا أن الأقزام يجيدون العزف والرقص وضرب الطلبة والصنج والغناء وصناعة الحلي أكثر منهم، فأرسلوا إلى هؤلاء الأقزام شخصاً ليتعلم منهم ما لم يعلم ويعلمون، ولكنه غاب ولم يعد إلا بعد مدة طويلة، فاعتقدوا أنه عاد إليهم بما ليس عندهم، ولكن تبين أن غيابه كان بسبب تعليم الأقزام ما لم يعلموا هم وليس هو. ويقال أن هؤلاء الأقزام هم الذين علموا الغوازي أو الغجر كل هذه الفنون التي عرفوها والتي تعلموها، والتي يسطو عليها الملحنون اليوم سطوا فاضحاً، وقد أطلقوا على المصري اسم المعلم، فلا عجب أن يطلقوا على مثيلة باوبو اسم"العالمة".‏

لن نعدد باوبواتنا، فهن كثيرات منذ العصر الجاهلي المعروف لدينا مثل بعاد وثماد وأم عمرو التي اشتهرت في قصائد بعض الشعراء، وبهوة وأسماء. وقد عرف العصر الأموي الكثير من الباوبات، كعزة الميلاء(المغناجة) وجميلة وحبابة وسلامة... لكن الطفرة التي أصابت المجتمع العربي في العصر العباسي جعلت وظيفة باوبو تلاقي رواجاً كبيراً، وتصبح شبه متكاملة لدى بعضهن ممن توافرت فيهن صفات المسامرة الباوبية، فلا يعقل أن يطلب من الزنجية أن تغني لأن في نطقها خللاً في مخارج الحروف، ولكنها كانت تسد فراغاً في الرقص والإيقاع، ولا عجب فهي من تلاميذ الأقزام الذين يجيدون هذا الفن. ولا يعقل أن يطلب من السمينة ذات الصوت الرخيم أن ترقص، ولكن بالإمكان تشكيل مجموعة متكاملة تؤدي الوظيفة الباوبية. وأحياناً كان الرجال يشتركون في هذه"الجوقة" إن صح التعبير ولكن إلى جانب ذلك كانت تظهر أيضاً بعض النسوة ممن توافرت فيهن الصفات الباوبية المتكاملة، التي ترضي السمار في أكأب الليالي. وقد أفرد أبو الفرج الأصفهاني في أغانيه أكثر من أربعين صفحة لإحدى العالمات، وهي عريب المأمونية.‏

كان العصر العباسي قد هيأ كل الظروف لشيوع هذه الوظيفة، فلا عجب أن انتشرت فيه انتشاراً واسعاً. وربما تعزف وتغني وترقص وتضرب الإيقاع والصنج وتعرف متى تأمر وصيفاتها بتقديم مآدب السمر، وتجيد النكتة، كما تجيد التلحين البارع الأخذ بمجامع القلوب. يقول عنها صاحب الأغاني: كانت عريب مغنية وشاعرة صالحة الشعر، مليحة الخط والمذهب في الكلام، وكانت نهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة وجودة الضرب وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار والرواية للشعر والأدب. لم يتعلق بها أحد من نظرائها ولا رئي في النساء، بعد القيان الحجازيات القديمات مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء، ومن جرى مجراهن، على قلة عددهن، نظير لها. وكان فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء ومن نشأ في قصور الخلافة وغذى برقيق العيش الذي لا يدانيه عيش الحجاز، والنشء بين العامة والعرب الجفاة، ومن غلظ طبعه. وقد شهد بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره.‏

كانت المسرات في حياتها البائسة المضطربة ومضات عابرة، فقد كانت تباع وتشترى من غير رغبة فيمن امتلكها، ومع ذلك أدت وظيفتها على أكمل وجه. وقد بلغت من الإتقان حداً جعل مسامرتها مثل عبير الجنان لا يستغنى عنها ولو كان ليوم واحد. وقد جفت المأمون مرة فقبل رجليها حتى رضيت عنه. وجافاها مرة فاعتكفت فلم يطق صبراً فأتاها يراضيها وقال كيف وجدت طعم الهجر يا عريب، فأجابت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا. فخرج إلى جلساءه وقص عليهم ما جرى، ثم أردف: أترى لو كان هذا من كلام النظام(المعتزلي المشهور، صاحب الرد المصقع) ألم يكن كبيراً؟‏

وحياة عريب ليست كوظيفتها، فقد عاشت حياة القهر، فتجبر على مالا تريده، تقول إنه وطئها ثمانية من الخلفاء، من غير أن تشتهي أحداً سوى المعتز، مع أنها نالت من الحظوة في دار الخلافة والقصور ما لم ينله غيرها، ولكنها بعد أن شاخت أهملت وماتت عن ستة وتسعين عاماً، ولم يشيع جنازتها أحد. وهذه أيضاً نهاية نموذجية لجميع العالمات، على ما يبدو.‏

* * *‏

بين باوبو والعالمة المصرية المعاصرة تمتد آلاف السنين. ولكن الوظيفة، تصنيع الفرح، ظلت كما هي تماماً. ربما توزعت الوظيفة على عدة فتيات، فعريب هي مجموع ما كانت تقوم به شهرزاد وتاييس(بطلة أناتول فرانس) ونانا(بطلة أميل زولا) وغادة الكاميليا(بطلة ديماس) ويمكن أن نعدد الكثير من أمثال هؤلاء. وفتاة المواعيد، أو فتاة البار في هذه الأيام، لا تختلف هي الأخرى عن فتاة الحانة القديمة قبل آلاف السنين، وفتاة الحانة نفسها هي راهبة المعبد القديمة التي كانت تقوم بالوظيفة المقدسة من الترتيل وخدمة الهيكل وخدمة الوافدين على المعبد...‏

وربما كانت المجدلية نمطاً ذا شيوع بين الباوبات. فبعضهن، إذا ما تقدمن بالسن أو إذا ما سئمن من وظيفتهن عزفن عنها وأعلن التوبة ونذرن العفة، بل إن بعضهن ينتقلن من هذه الوظيفة إلى الزهد والتنسك.‏

والعكس صحيح تماماً. فكثيراً ما يجري تبادل الوظائف. إن الكاهن الذي راهن على توبة تاييس تبادل الوظيفة معها، فقد عزم على وعظها وردها عن غيها. ولكن في أعماقه كان مفتوناً بتاييس ووظيفتها. إن تردده المستمر عليها جعله يطلع على حياة المسرات، على البهجة والحبور. وتنتهي رواية أناتول فرانس بأن تصبح تاييس مجدلية ويصبح الكاهن فاسقاً.‏

وهذا أمر متوقع، إذ لا يستطيع كاهن أن يحل محل تاييس، لا رقصاً ولا غناء. ويبدو أن الفاسق هو الفاشل، فلم تطلق صفة الفسق على أي من الباوبوات، على كثرتهن.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3169
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: باوبو والعالمة   السبت مايو 03, 2008 5:44 pm

ولا نعرف بالضبط إلى أي عصر ترجع فتاة الجيشا في اليابان. ولكنها صورة، بل نسخة كاملة ودقيقة عن وظيفة باوبو. لقد كانت فتاة الجيشا مثقفة، رقيقة الحديث، يبدو غنجها عفوياً. وكانت مختصة بعلية القوم تماماً مثل باوبو. ترى لو كانت أمام باوبو امرأة غير ديمتر، فهل كانت تفعل ما فعلت؟ ما كانت-نظن- لتكلف نفسها حتى مشقة سؤال هذه المسكينة، نقصد المرأة العادية، عن سبب حزنها وكآبتها، وكانت مرت بها عبوراً من غير أن تتوقف. يبدو أننا نشعر بضخامة المأساة عندما تكون الشخصية رفيعة المستوى، ولا عجب أن أصر أرسطو على أن يكون أبطال التراجيديا من علية القوم، وحتى اليوم نقول أن موت الفقير راحة، وموت الغني حرمان.‏

وظيفة العالمة ما تزال قائمة، سواء أدتها سيدة أو سيدات، تماماً مثلما كان في قديم الزمان، إذ كنا أحياناً أمام عالمة مكتملة الفنون، وكنا أحياناً نرى وظيفتها توزع على فتاة الحانة والمغنية والعازفة.‏

ووظيفة العالمة هي عبارة عن نقل فن المسرحية من المكان العمومي إلى المكان الخصوصي، من بهو كبير جداً يملأ الجمهور مقاعده، إلى بهو يملأ عليه القوم مقاعده. وإذا كانت المسرحية أشبه بالمشفى فإن العالمة أِبه بعربة إسعاف خفيفة، سريعة الاستجابة.‏

كانت المسرحية اليونانية تعني الأداء والرقص والموسيقى وسرد النوادر أو المآسي، وعرض بعض معالم التاريخ ومنعطفاته. إننا نجد فيها كل طقوسية العالمة.‏

ولم تكن المسرحية اليونانية هي الوحيدة التي جمعت كل طقوسية العالمة، بل إن كل المسرحيات القديمة فعلت ما فعلته، فالمسرحية الهندية، التي تأخرت عن اليونانية، إلا أنها نمت نمواً مستقلاً عن التأثيرات الخارجية، كانت هي الأخرى تجمع كل هذه الصفات.‏

أثناء سيادة الروح الدينية في العصور الوسطى توقفت المسرحية القائمة على الجوقة والرقص والغناء والموسيقى, وحلت محلها المسرحية الدينية. ولكن في عصر النهضة، وما بعد حاول الأوروبيون العودة إلى الإغريق فلم يفلحوا تماماً، ولذلك ظهرت عندهم أنواع وأنواع من المسرحية مثل البانتومايم والأوبرا الباليه والبورلسك والفارس والديلارتي والدراما ومسرحية القناع والمسرحية الأخلاقية والمسرحية التاريخية والمسرحية الذهنية... أي أنهم، باختصار، لم يستطيعوا القيام بوظيفة العالمة مشتملة، فوزعوها على عدة فتيات. فلو جمعنا كل هذه الأنواع المسرحية لحصلنا على الوظيفة المتعددة والمتشعبة التي كانت تقوم بها المسرحية اليونانية، أو المسرحية الهندية.‏

وقد كان المؤلفون المسرحيون العرب في بداية نهضتنا أقرب إلى روح الدراما من الأوروبيين فقد أعادوا الجوقة وأدخلوا الغناء، أما في الأداء المسرحي أو عن طريق فواصل بين فصول الدراما. وقد وجدت التجارب المسرحية هذه إقبالاً جماهيرياً منقطع النظير. وعندما تخلى المسرح عن الغناء تقلص عدد المشاهدين إلى درجة كبيرة.‏

واليوم تعود المسرحية إلى استخدام ما كانت المسرحية القديمة تستخدمه، فقد عادت الجوقة وعادت الموسيقى وصار الرقص الاستعراضي في المسرحيات الحديثة ضرورة لا غنى عنها، فمسرحية مثل"الشعر" نجد فيها كل هذه العناصر، فهي بانتومايم وأوبرا وباليه. وقد وعى المسرحيون العرب المحدثون أهمية ذلك، فصرنا من الصعب أن نجد مسرحية لا ترافقها الموسيقى، حتى في المسرحيات الكوميدية. بل إن هناك محاولات لاستخدام الشعر، أو لغة قريبة منه، في الحوار المسرحي، فقد تبين أن الكلام الموقع خير من الكلام المتسيب من الإيقاع وأشد تأثيراً في المشاهد، أي أن المسرحية اليوم تسعى إلى استعادة حوار عريب مع سمارها وندماها. إن الكلام في هذا الفن يجب أن يكون"فنياً" ففي مجالس العالمة يختار الكلام اختياراً ليكون أوقع في النفس وأجذب للقلب وأحلى في الأذن. لا يجوز استخدام الحديث العادي الذي نجده في كل مكان. إن زاوية في شارع تقف فيها مراقباً، تمكنك من حضور عشرات من الفواصل المسرحية التي اشتهر بها دي فيغا. ولو كانت العالمة تتحدث مع سمارها كما تتحدث مع وصيفتها على انفراد لفشلت في أداء الوظيفة.‏

كانت الطقوس المقدسة للطبيعة، والتي منها نشأت المسرحية تقام في الهواء الطلق، في الكروم أو الحقول أو البيادر. كانت كلها منسجمة مع دورة الطبيعة بصورة عفوية. وهذا هو النموذج الأول للمسرح الذي ما تزال بذرته قائمة حتى وقتنا هذا. لكن مع الأيام شيدت المسارح الضخمة على التلال المنخفضة كمسرح أبيدوروس أو علقت على قمة جبل كمسرح سيجيستا. لا يوجد مسرح منخفض. لا يوجد مسرح في كهف. الكهوف مخصصة للطقوس السرانية التي ظهرت مأخراً.‏

وبعد أن أقيمت المسارح زينت وزخرفت وانبرى الرسامون يصممون الديكورات المناسبة، وتزاحم المؤلفون الموسيقيون لوضع الألحان الخاصة وتصميم الرقصات والأغاني التي تجسد أو تساعد في تجسيد الحدث المسرحي. وقد استحدثوا للمسرح الأدوات الميكانيكية المبتكرة. حتى أنهم اخترعوا آلة تجعل الممثل يطير في الهواء من غير أن يشعر المتفرج، أو تجعله يهبط من السماء(ديوزاكس ماشينا) ليحل عقدة المسرحية. وهذا ابتكار متقدم لم يصل إليه مسرحنا الحديث إلا في البلدان الغنية والمتقدمة علمياً.‏

خلاصة القول بهذا الصدد أن الإغريق قدموا كل ما يستطيعون لتطوير مسرحهم. لكن كل هذه الديكورات والموسيقى والآلات والحواجز والمداخل والمخارج التي أضافوها لم تلغ أبداً النموذج الأصلي الذي قدمته دورة الطبيعة. فالفكرة الأساسية ظلت مستمرة على الرغم من كل هذه الابتكارات، بل على الرغم من تشظي الأنواع المسرحية وابتكار أنواع جديدة. إنها كلها تتبع الأنماط الأولية التي ابتكرتها المخيلة البشرية.‏

وبالمثل فإن العالمة اليوم انتقلت إلى البارات والنوادي الليلية، لم تعد تؤدي وظيفتها على"الطبيعة" كبداية المسرح، أو كباوبوالتي كانت ترقص أمام ديمتر في الحقل أو في الطريق، أو كانت تعتلي صخرة لتؤدي حركاتها. وقد ابتكر العصر الحديث أشياء وأشياء لا حصر لها في تزيين البارات والنوادي والكباريهات. والمسامرون لم يعودوا محدودين يعدون على الأصابع. صاروا كثرة كاثرة. وقد درست الصالات دراسة نفسية، ووضعت- بناء على ذلك- الأنوار الملونة الخاصة واللوحات والتماثيل والبسط والمفروشات الأخرى. والعالمة الجديدة تخضع اليوم لتدريبات أشد بكثير من تدريبات عريب... لكن الوظيفة الترفيهية في صناعة الفرح ظلت واحدة، إذ يبدو أن هذه الوظيفة لا يمكن أن تتغير مهما تغيرت الأساليب والأدوات، ومهما بذل الفنانون من جهد لخلق صالة مثالية.‏

و"ست الصالون" هي الأخرى عالمة ولكنها مقتصرة على ناحية واحدة: التسامر بالأدب والفن والتاريخ، واتباع اتيكيت شديد الطقوسية. وهذه الناحية من وظيفة باوبو هي التي همشها العصر الحديث، ولذلك تلاشت الصالونات ولم نعد نسمع بها منذ زمن بعيد. إن"ست الصالون" في القرن العشرين لا تختلف عن شهرزاد في اقتصارها على ناحية معينة من أحاديث العشيات، إلا أنها تختلف عنها في الملبس والإتيكيت والاقتصار على رجال السياسية والأدب. الوظيفة واحدة، فالجميع من نمط أولي واحد هو نمط باوبو.‏

كانت العالمة ووصيفاتها يشكلن شبه فرقة، لكننا نشاهد اليوم فرقاً كبيراً تحيي الأسمار بدلاً من العالمة.‏

ولكن كل ما جرى ويجري من أجل تطوير الأدوات والأساليب لا يغير من الأمر شيئاً ما دامت الوظيفة واحدة هي.... تصنيع الفرح.‏

قد نتوهم أن هذه الفرق حديثة كل الحداثة... هذا صحيح إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك الإضافات الزخرفية التي ساعدت عليها الإلكترونيات الحديثة, ولكن ثمة ظواهر قديمة تشير إلى أن صناعة الفرح لم تكن مقتصرة على العالمة، فإلى جانب العالمة سافو، وهي أعظم عالمة وصلتنا أخبارها، إذ أضافت إلى العزف والرقص والغناء والشعر والأدب، مهمة أخرى هي تربية الفتيات العذارى وتأهيلهن للزواج، نجد فرقاً مختصة بتصنيع الفرح. ومن هذه الفرق ما أطلقوا عليه"الباخيات" وهن أنصار ديونيسيوس، إله الخمرة والكروم. فكانت الباخيات يشربن الخمرة وينشدن الأشعار ويمارسن الرقص والإيقاع والموسيقى الصاخبة التي-على ماجاءنا- لا تستطيع أعظم فرق موسيقى الجاز أن تجاريها في الصخب. لكن هذه الفرقة وبقية الفرق كانت بدائية من حيث تصنيع الفرح، إذ كانت تقيم حفلاتها في الجبال أو في الأماكن العامة. وكن يلبسن زياً خاصاً إذا ما أزف موعد الاحتفال. وفي بعض الأحيان كن يرقصن رقصات داعرة وجنونية. وحتى احتفالات الربة ديمتر كانت تميل إلى شيء من هذا القبيل.‏

وحتى الآن هناك اختلاف حول أسبقية الباخيات على التقاليد الديمترية. وما جاءنا عن الأسرار الأليوسية يشير إلى حفلات فيها الكثير من آداب العالمة.‏

وإلى جانب نمط تصنيع الفرح هناك نمط تصنيع الحزن. وأصل تصنيع الحزن ينحدر من طقوس الشتاء، طقوس الموت والرحيل إلى العالم الآخر، مثلما إن تصنيع الفرح ينحدر في أصله من طقوس الربيع، طقوس البعث والقيامة.‏

ولكن من يقوم بتصنيع الحزن؟‏

إنه نفسه الذي يقوم بتصنيع الفرح. إن الباخيات أنفسهن يقمن بالمناحة على ديونيسيوس نفسه. ولكن هذه المرة في أوائل الشتاء، بعد أن تكون الكروم قد أقحلت وجفت الكرمة من ماء الخمرة، أي بعد أن يكون ديونيسيوس قد مات وغادر هذه الكروم التي ذوت حزناً عليه. وكانت الباخيات ينحن نواحاً صاخباً أيضاً، وينتهي موكبهن بفاجعة وهي"الضحية البشرية" أو الفارماكوس.‏

وهذه الوظيفة الثنائية للباخيات من تصنيع الحزن إلى جانب تصنيع الفرح ليست غريبة على الفكر اليوناني إذ نجد كثيراً منها لديهم، فالايرينات هن ربات الانتقام والعدالة يعاقبن كل من انتهك المحارم أو حاد عن الحق. ولكنهن في الوقت نفسه ربات الرحمة يساعدن كل مظلوم مهتضم الحق، وهذا شيء طبيعي، فالنقيض لا ينفي نقيضه بل يؤكده، فالانتقام عندما يكون من الظالم، فلابد أن تمنح الرحمة للمظلوم.‏

وبما أن العالمة قادرة على تصنيع الفرح فلاشك أنها قادرة على تصنيع الحزن. وربما كانت العالمة في هذه الأيام لا تقوم بتصنيع الحزن لناحية اقتصادية، وهو أن تصنيع الفرح أكثر زبائن وأدرّ ربحاً، فلا حاجة إلى الإنفاق على طقوسية الحزن، فهي تكلف الكثير ولا تدر إلا القليل. يبدو أن مثل هذه الوظيفة المزدوجة نعود إلى الأزمنة السحييقة، فنحن لم نعرف عن باوبو والعالمة الحديثة مثل هذه الوظيفة المزدوجة. لكننا نجد فرقاً خاصة تقوم بتصنيع الحزن. ويبدو أن الفرح خفة يمكن أن يؤديها الفرد، لذلك تكلفت العالمة بتصنيعه، أما الحزن فدعوة إلى التأمل ولذلك يحتاج إلى جهد جماعي. وما"المواليا" التي ظهرت في العصر العباسي، والتي أهملها الباحثون سوى فرقة من النائحات اللواتي كن في خدمة الأسرة البرمكية، يذهبن إلى قبور أسيادهن ويبكين مجدهم الغابر، وفي الوقت نفسه ينحن على مصيرهن هن.‏

وكما نجد الفرق إلى جانب العالمة نجد الفرق إلى جانب الراثي الذي يكتفي عادة بقصيدة رثاء. وما تزال لدينا في الريف بقايا"الندابات" اللواتي تدفع لهن أجور عالية لإقامة"مندب" حزن على الميت. وقد استبدلت الندابات هذه بالفرق الكشفية التي يأتي بها أهل الفقيد لتتقدم المأتم تنفخ الأبواق وتقرع الطبول وتدق الصنوج بنغمة كئيبة وألحان جنائزية(ريوكويم) حزينة جداً.‏

وفي الريف اللبناني، بل في المدن أيضاً وإن بدرجة أقل يدفعون أجراً كبيراً إذا ما أرادوا تكليف فرقة من الفرق الزجلية الكثيرة، لتأخذ على عاتقها مهمة تصنيع الحزن. وتبدأ الفرقة بتعداد مناقب الفقيد ثم تنتقل إلى الأعمال الخيرية التي قام بها، ثم تنتهي بتصوير ما أصاب الأهل من الحزن، إثر الفجيعة التي منوا بها بفقد الراحل، كما تصور حزن الطبيعة أيضاً، تماماً مثلما كان الأمر في طقوس الموت. وقصيدة الرثاء برمتها منقولة من هذا الطقس الذي فرضته دورة الطبيعة فأوحت للخيال الأدبي ان أرباب الإخصاب قد غادروا الأرض إثر حادثة فاجعة.‏

ومن يشاهد النسوة اللواتي هن من أقرباء الميت يتحلقن حول نعش الفقيد، ولاحظ كيف تبدأ إحداهن الندب، حتى إذا تعبت استلمت غيرها دورها... وهكذا، يتذكر الندابات القديمات اللواتي لم يبق منهن اليوم إلا بقايا، اللواتي منهن تعلمت النسوة أصول الندب وصار تقليداً له أصوله، فلا يجوز مثلاً أن يكون الصوت ناشزاً، ومن كان صوتها ناشزاً لعبت دوراً آخر وهو اللطم التمثيلي على الفخذين والوجنتين. والأشعار والأغاني التي تقال معروفة ومشهورة وهي تنصب في"مدح الميت" وذكر محامده. وكما يفعل الشعراء المداحون عندنا في تغيير اسم الراحل في القصيدة قبل تلاوتها على راحل آخر، كذلك كانت الندابات المختصات، أو النسوة النائحات يفعلن إذ يستبدلن اسماً باسم والشيء الملفت للنظر أن لحن"الموليا" الهادئ الحزين هو الذي كان يحتل المقام الأول في نوبات الندب. وهذا لحن ابتكرته موالي البرامكة، إلا أن طقوس الحزن ترجع إلى أقدم أيام البشرية، فقد تشكلت تقاليدها منذ أن استرعت ظاهرة الموت اهتمام الناس، فتأملوا فيها وردوا عليها بهذه التقاليد.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3169
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: باوبو والعالمة   السبت مايو 03, 2008 5:44 pm

ومنذ القديم وحتى اليوم وهذه التقاليد واحدة، سواء كانت من شاعر الرثاء أو من فرقة الندابات أو النسوة النائحات. الجميع يزعمون أن الفقيد لم يمت وإن روحه صعدت إلى باريها في السماء وإنه الآن مكرم في جنان الخلود، وإنه يعيش معنا بأفعاله الخيرية وما قدمه من معونة لأهله وأصحابه، وإن كان الميت أشد تكالباً من بخيل موليير، أو كان أفسق من باسيفي ملكة الفجور.‏

ولابد من وصف الحزن الذي شمل البشر والطبيعة، فالغيوم الهاطلة تبكيه ورمحه" (أو أي شيء من آثاره) مسند في الزاوية ينتظر يده التي تهزه في وجه الخصوم. وحصانه ينظر إلى موكب الحزن ذارفاً الدمع، وقد آلى على نفسه ألا يعتلي ظهره أحد بعد فراق سيده. وهي أشياء ما تزال مستمرة في قصائد الندب، مع أنه لم يعد في القرية رمح أو سيف أو حصان. أحياناً تستبدل هذه الأشياء بأشياء حديثة من أمثال الغليون وصدر المجالس والقبعة وغير ذلك من آثار المرحوم. أما تصوير لوعة الزوجة والأولاد أو الأم أو الأخوة، بحسب وضعية الراحل الأهلية، فما يزال مستمراً... وكل هذه الأحوال تعطى للنادبين والنادبات قبل بدء المأتم.‏

وكما أن الأغنياء والمرموقين احتكروا المتعة بالأفراح المصنعة، فإنهم أيضاً احتكروا الأحزان المصنعة. وكلما ارتفع المقام تضخم الكلام، وتعقد التصنيع، فموكب جنازة العلم الكبير هو موكب ضخم تتقدمه الفرق الموسيقية من شتى الأنواع: رسمية وشعبية وكل فرقة لها دور تؤديه في العزف الحزين والألحان المؤثرة. وتتسع دائرة الحزن في هذه الحالة، فلا تقتصر على الأهل والأقرباء، بل تمتد لتشمل المدينة برمتها، إذ يطوف الموكب الحزين الشوارع الكبرى حيث يتجمع الناس وتبرز الوجوه إلى الشرفات أو ترنو النسوة من النوافذ والشبابيك.‏

مثل هذا الموكب لا يختلف عن موكب الباخيات اللواتي يصورن حزن الطبيعة على فقيدها الإله الراحل ديونيسيوس. فقد كن يهبطن من الجبال حيث كان يبدأ الموكب ويطفن في شوارع المدينة. لكن الشرطة في هذه الأيام تمنع أعمال الشعب التي كانت الباخيات يقمن بها من قتل وتدمير. إن الجنون الذي كان يصيب الباخيات أثناء الموكب ويدفعهن إلى اقتراف أعمال فظيعة ما زال يتبدى في بعض المواكب الضخمة حتى أن بعضهم يدمر السيارات في الشوارع أو أنهم يكسرون النوافذ، أو حتى ينتحرون، كما جرى في موكب جنازة أحد المطربين.‏

عندما نقرأ مسرحية يوربيدس"الباخيات" (ترجمت إلى العربية بعنوان"عابدات باخس" المسرح العالمي، الكويت، سبتمبر 1984) ونطلع على مافعلته الباخيات ومصرع بنتيوس وغيره أثناء نوبة الجنون التي كانت تنتاب الموكب وتجعله يقوم بأعمال العنف والتخريب والقتل نقول كم كان هؤلاء القوم متوحشين، وما أقرف هذه الأعمال الهمجية. فهل يعقل في غمرة الحزن أن نقتل أنفسنا أو نقتل غيرنا والحزن مدعاة للصمت والتأمل؟‏

لقد كانت الباخيات يقمن بهذه الأعمال: قتل أنفسهن أو قتل غيرهن حزناً على الإله الراحل. ونحن إذ نستهجن هذه الأعمال ننسى أنفسنا واحتفالاتنا الحزينة ومواكب جنازات عظمائنا. ننسى عاشوراء وكيف كان الا حتفال يؤدى، وكيف كان ينتهي، وننسى جنازة فلان وفلان من العظماء والمشهورين، مع أن الذين قتلوا أنفسهم في هذه المناسبات، أو قتلوا غيرهم، أكثر بكثير من عدد ضحايا موكب الباخيات. وبدلاً من أن نتأمل العمق النفسي لهذه الظاهرة، ونتتبعها إلى منابعها وجذورها الأصلية، للكشف عن اللاوعي الجمعي في النفس البشرية، والوظيفة أو الوظائف المختلفة التي يقوم بها، نكتفي بتغطية المشكلة بغطاء رقيق واه لا يخفي شيئاً، وهو أننا قوم متمدنون ولسنا بدائيين كهؤلاء الباخيات. إننا نقوم بعملية تزييف كبيرة بدلاً من مواجهة هذه الظاهرة التي تساعدنا في الغوص إلى أعماق النفس البشرية.‏

حبذا لو ندرس كل شيء بدلاً من الاستهجان الذي يؤجل المواجهة ولا يلغيها. وعلينا أن نجاري غيرنا في النظر إلى الوراء باعتبارية مهيبة وجادة، إلى الخلفية الحقيقية للنفس البشرية، منجم الأدب والفن والفلسفة.‏

* * *‏

إن ما نرمي إليه من الأمثلة التي قدمناها هو الدعوة إلى دراسة الظاهرة دراسة وظيفية، وليس الاقتصار على المقارنة والتقييم، وإن ننظر إلى المفهومات نظرة جادة معمقة فلا نمر بالجديد والحداثة والقديم وغير ذلك مروراً سريعاً عابراً. إن وراء كل ظاهرة وظيفة تؤديها، فباوبوا والباخيات، والعالمة أو الفرق التي تقوم مقامها تؤدي وظيفة إنسانية علينا اكتشافها وفهم دورها في العلاقات الاجتماعية والتطلعات البشرية، فالدمع لم يخلق عبثاً، كما يقول شاعرنا ابن الرومي، والمسرة والمتعة والضحك ليست أموراً سطحية. إنها أعمق مما نتصور. قد تختلف أدوات تحقيق آلية الوظيفة. هذا لا يهم. إنه يدخل في باب الجديد. ولكنه جديد بالمعنى الذي نقول: ارتديت قميصاً جديداً. فما دامت الوظيفة مستمرة فإن كل جهودنا تضيع هباء إن لم نفهم ذلك التيار الخفي الذي يسير البشرية. وقد شدد النقد الأسطوري على هذه الناحية واعتبرها الناحية الأهم من غيرها بكثير. والبحث عن الأنماط الأولية هو بداية كل بحث جاد، وليس نهايته، كما يتراءى للوهلة الأولى. إن النقاد الأسطوريين ليسوا سدنة الأنماط الأولى، وليسوا وسائل إعلام للترويج لها، بل هم باحثون يسعون للوصول إلى الوظيفة التي تكمن وراء الأنماط الأولية.‏

إننا نلهو بكل ما هو هامشي، فحتى الآن نثير المعارك حول الشعر القديم والشعر الحديث كأن بينهما سور الصين أو ثأراً قبلياً، ونتحزب للقافية أو ضدها، كأن الفن الشعري متجمع فيها أو وقف عليها. لم نكلف أنفسنا عبء معرفة الوظيفة الكامنة وراء"رقصة المقابر" أو قصيدة فرح أو تجمهرة حزن. إن باوبو تعيش بيننا، والباخيات نشاهدهن بين الحين والآخر، ومع ذلك نقبل أو نستهجن هذه الظاهرة أو تلك كأن المطلوب اطلاع القارئ على موقفنا العاطفي. لم نسأل أنفسنا لماذا تستمر مثل ظاهرة كهذه منذ أقدم سنوات البشرية حتى اليوم، وما الوظيفة التي تؤديها للمجتمع حتى حافظت على استمراريتها.‏

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Love Angel
برنسيسة المنتدى
برنسيسة المنتدى


انثى
عدد الرسائل : 4070
السٌّمعَة : 2
نقاط : 3165
تاريخ التسجيل : 08/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: باوبو والعالمة   السبت أغسطس 02, 2008 1:13 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
باوبو والعالمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجامعة العربية :: منتدى كلية الاداب والتربية :: منتدى اللغه العربية-
انتقل الى: