منتدى الجامعة العربية
عزيزي الزائر اهلا بك في اسرة منتديات الجامعة العربية هذه الرساله تفيد بأنك غير مسجل يتوجب عليك التسجيل لتتمكن من رؤية روابط التحميل والمساهمة في المنتدى - كما يجب وضع رد لرؤية الروابط


للتميز عنوان - شاركنا الحلم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
سبحان الله والحمد لله لا اله الا الله و الله اكبر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
قم بحفض و مشاطرة الرابط الجغرافيا كما يجب ان تكون على موقع حفض الصفحات
الإبحار
 البوابة
 الفهرس
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 4:51 pm

الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن
النص المترجم

إذا كانت فعالية المقاربة العلمية في مجال العلوم الإنسانية موضوع جدال على الدوام، فالمثير أن ينتقل هذا الجدال لأول مرة إلى مستوى البنيات المدروسة نفسها التي تتعلق بمنطق آخر غير المنطق العلمي، سيتعلق الأمر بهذا المنطق اللغوي (أو بالأحرى بمنطق اللغة الشعرية) الذي يعود "للكتابة" (أفكر الآن في ذلك الأدب الذي يجعل من صياغة المعنى الشعري كوحدة دينامية أمراً ملموساً) الفضل في إبرازه، وهكذا تُمنَح إمكانيتان للسيميائية الأدبية: الصمت والامتناع، أو بذل مجهود أكبر لتشييد نموذج مُشاكل لهذا المنطق الآخر، أي لبناء المعنى الشعري الذي يوجد اليوم في مركز اهتمام السيميائيات.

إن الشكلانية الروسية التي يغترف منها اليوم التحليل البنيوي قد وجدت نفسها أمام بديل مماثل عندما تدخلت أسباب خارج –أدبية وخارج- علمية لتضع حدّاً لدراساتها. ومع ذلك توبعت الأبحاث لترى النور بعدئذ مع تحليلات ميخائيل باختين الذي يمثّل واحداً من الأحداث الأكثر بروزاً وواحدة من المحاولات الأكثر قوة لتجاوز هذه المدرسة، فبعيداً عن الصرامة التقنية للسانيين، وبنهج كتابة اندفاعية، بل تنبؤية في بعض اللحظات، عرض باختين لمشاكل جوهرية هي التي تواجهها اليوم الدراسة البنيوية للمحكي، وهي التي تجعل من قراءة النصوص التي درسها قبل أربعين عاماً تقريباً قراءةً معاصرة. ولأن باختين كاتب قَدْرَ ما هو "عَالِم"، فقد كان أحد الأوائل الذين استبدلوا التقطيع السكوني للنصوص بنموذج لا توجد فيه البنية الأدبية، بل فيه تتكون في علاقة ببنية أخرى. وهذه الدينامية البنيوية ليست ممكنة إلا انطلاقاً من تصور تبعاً له لن تكون "الكلمة الأدبية" نقطة (معنى ثابت)، بل تقاطع مساحات نصية، وحواراً بين عدة كتابات: للكاتب، وللمتلقي (أو للشخصية) وللسياق الثقافي الراهن أو السابق.

وبوضع مفهوم الوضع الاعتباري للكلمة كأصغر وحدة في البنية، حصر باختين النص داخل التاريخ وداخل المجتمع، منظوراً إليهما على أنهما نصّان يقرأهما الكاتب وينصهر فيهما عند إعادة كتابتهما. هكذا تتحول الدياكرونية إلى سانكرونية وعلى ضوء هذا التحول يظهر التاريخ الخطي على أنه تجريد: والطريقة الوحيدة التي يمكن بها للكاتب أن يشارك في التاريخ هي إذن اختراق هذا التجريد بواسطة كتابة –قراءة يعني بواسطة الاشتغال على بنية دالة في علاقة أو تعارض مع بنية أخرى، والتاريخ والأخلاق يُكتبان ويُقرآن من خلال البنية التحتية للنصوص، وبهذا تسير الكلمة الشعرية المتعددة المستويات والمتعددة التحديدات وفق منطق يتجاوز منطق الخطاب المقنّن ولا يتحقق نهائياً إلاّ على هامش الثقافة الرسمية، وإذن في الكرنفال سيبحث باختين عن جذور هذا المنطق كأول باحث تصدى لهذه الدراسة، فالخطاب الكرنفالي يكسر قواعد اللغة التي يراقبها علم النحو، وعلم الدلالة، وبهذا الفعل نفسه ينتصب معارضة اجتماعية وسياسية. والأمر لا يتعلق بالتوازن بل التطابق بين معارضة الشفرة اللغوية الرسمية ومعارضة القانون الرسمي.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 4:52 pm

الكلمة في فضاء النصوص:

إن تأسيس وضع اعتباري خاص بالكلمة في مختلف الأجناس (أو النصوص)، باعتبارها دالاً على مختلف أنماط الإدراك (الأدبي)، يضع التحليل الشعري اليوم في المنطقة الحساسة للعلوم "الإنسانية": أي في نقطة تقاطع اللغة (الممارسة الواقعية للفكر(2) ) والفضاء (الحجم الذي تتشكل فيه الدلالة بالوصل بين الاختلافات)، فدراسة الوضع الاعتباري للكلمة تعني دراسة ترابطات الكلمة (كمركب دلالي) بالكلمات الأخرى للجملة، واستخراج نفس الوظائف (العلاقات) على مستوى ترابطات المتوالية الكبرى. وإزاء هذا التصور الفضائي للاشتغال الشعري للغة، سيكون من الضروري أن نحدّد أوّلاً الأبعاد الثلاثة للفضاء النصي الذي ستتحقق فيه مختلف عمليات المجموعات الدلالية والمتواليات الشعرية. وهذه الأبعاد الثلاثة هي: ذات الكتابة والمتلقي والنصوص الخارجية (ثلاثة عناصر في حوار). وبهذا يتحدد الوضع الاعتباري للكلمة(3):

أ) أفقياً : تنتمي الكلمة في النص إلى ذات الكتابة وإلى المتلقي في نفس الوقت.

ب) عمودياً : الكلمة في النص موجهة نحو المتن الأدبي السابق أو المتزامن.

لكن في العالم الخطابي للكتاب، يكون المتلقي نفسه مدرجاً باعتباره خطاباً فقط.

إنه يلتحق إذن بهذا الخطاب الآخر (هذا الكتاب الآخر) الذي بالنظر إليه يكتب الكاتب نصّه الخاص؛ بحيث يتلاقى المحور الأفقي (الذات –المتلقي) والمحور العمودي (النص- السياق) قصد الكشف عن عمل عظيم: إن الكلمة (النص) هي ملتقى كلمات (نصوص) حيث نقرأ على الأقل كلمة أخرى (نصاً)، ومع ذلك، فعند باختين، نجد هذين المحورين، اللذين يسميهما على التوالي حواراً وازدواجاً، غير مميَّزين بشكل واضح. لكن غياب هذه الصرامة هو بالأحرى اكتشاف كان باختين أول من أدرجه داخل النظرية الأدبية: يتأسس كل نص كفسيفساء من أقوال مستدعاة من نصوص أخرى، فكل نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر. وهكذا يقوم مفهوم التناص مقام مفهوم التداوت، وتتم، على الأقل. قراءة اللغة الشعرية على أنها لغة مزدوجة.

هكذا يبدو الوضع الاعتباري للكلمة باعتبارها الوحدة الصغرى في النص أنه الوسيط الذي يعيد ربط النموذج البنيوي بالمحيط الثقافي (التاريخي)، ويبدو أيضاً أنه ضابط الانتقال من الدياكرونية إلى السانكرونية (في البنية الأدبية). فبواسطة مفهوم الوضع الاعتباري نفسه، تم وضع الكلمة في الفضاء: إنها تشتغل حسب ثلاثة أبعاد (الذات- المتلقي- السياق) كمجموعة من العناصر الدلالية في حوار أو كمجموعة من العناصر المزدوجة. وبناء عليه، فمهمة السيميائيات الأدبية هي إيجاد الأشكال المناسبة لمختلف أنماط تراكب الكلمات (المتواليات) في الفضاء الحواري للنصوص.

إن وصف الاشتغال النوعي للكلمات داخل مختلف الأجناس (أو النصوص) يتطلب إذن مقاربة عبر لسانية:

1) تصوراً للجنس الأدبي كنظام سيميولوجي غير خالص "يدل من اللغة لكنه لا يدل أبداً بدونها".

2) عملية قائمة على وحدات كبرى من الخطابات –الجمل، والردود، والحوارات، إلخ –دون أنت نتبع بالضرورة النموذج اللساني –يتمُّ إثباتها بمبدأ التوسع الدلالي. وبهذا يمكننا أن نضع ونبين فرضية مضمونها أن كل تطور للأجناس الأدبية هو تجسيد لا واع للبنيات اللغوية بمختلف مستوياتها. والرواية، على الأخص، هي التي تجسد الحوار اللغوي(4).
الكلمة والحوار

لقد كانت فكرة "الحوار اللغوي" من انشغالات الشكلانيين الروس، فهم يلحّون على الطابع الحواري للتواصل اللغوي(5) ويرون أن المنولوج، باعتباره "شكلاً جنينياً" للسان المشترك(6)، قد أتى بعد الحوار، وكان بعضهم يقوم بالتمييز بين الخطاب المنولوجي "كمعادلة لحالة نفسية"(7) وبين المحكي "كمحاكاة فنية للخطاب المنولوجي"(8). والدراسة المشهورة لاخنباوم حول معطف كوكول تنطلق من تصورات مماثلة. فإخنباوم يلاحظ أن نص كوكول يستند إلى شكل شفوي للسرد وإلى خصائصه اللغوية (النبرة، البناء التركيبي للخطاب الشفوي، القاموس الخاص، الخ). ولأنه بهذا يكون قد عيّن نمطين من السرد داخل المحكي، غير المباشر والمباشر، ودرس روابطهما، فإن اخنباوم لم يأخذ بعين الاعتبار أنه في أغلب الحالات يقوم كاتب المحكي، قبل الاستناد إلى خطاب شفوي، الاستناد إلى خطاب الآخر التي لا يعتبر الخطاب الشفوي بالنسبة إليه إلا نتيجة ثانوية (الآخر هو حامل الخطاب الشفوي(9)).

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 5:04 pm

أما بالنسبة لباختين، فالتقسيم حوار –مونولوج له دلالة تتجاوز بشكل واسع المعنى العيني الذي استعمله به الشكلانيون، فهو لا يناسب التمييز بين المباشر –غير المباشر (مونولوج- حوار) في محكي أو مسرحية، لأن الحوار، عند باختين، يمكن أن يكون منولوجياً، وما يسمى مونولوجاً غالباً ما يكون حوارياً. فبالنسبة إليه، تحيل هذه المصطلحات إلى بنية لسانية تحتية دراستها واجبة على سيميائيات النصوص الأدبية التي لا ينبغي أن تكتفي لا بالمناهج اللسانية ولا بالمعطيات المنطقية، بل ينبغي أن تتأسس انطلاقاً منهما معاً. "إن اللسانيات تدرس اللسان في حد ذاته، تدرس منطقه النوعي ووحداته التي تجعل التواصل الحواري أمراً ممكناً، لكنها تقوم بتجريد الروابط الحوارية نفسها.. إن الروابط الحوارية لا يمكن اختزالها إطلاقاً إلى روابط المنطق والدلالة التي تفتقر، بنفسها، إلى اللحظة الحوارية، ينبغي أن تكسى هذه الروابط بالكلمات، وأن تصير تلفظات وتعابير بواسطة الكلمات ومواقف لمختلف الذوات، من أجل أن تظهر الروابط الحوارية من خلالها… فالروابط الحوارية هي حتماً مستحيلة بدون روابط المنطق والدلالة، لكنها لا تختزل في هذه الروابط، فهي ذات نوعية خاصة". (مشاكل شعرية دوستويفسكي Problemi poetiki Dostïevskovo).

ومع هذا الإلحاح على الاختلاف بين الروابط الحوارية والروابط اللسانية الخالصة، يشير باختين إلى أن الروابط التي ينبني على أساسها المحكي (المؤلّف –الشخصية؛ ويمكن أن نضيف ذات التلفظ –ذات الملفوظ) تكون ممكنة لأن الحوارية ملازمة للغة نفسها، ودون أن يفسر في ماذا يتجلى هذا المظهر المزدوج للسان، يسجل باختين أن "الحوار هو المنطقة الوحيدة الممكنة لحياة اللغة". ويمكننا اليوم أن نجد الروابط الحوارية في مستويات عديدة من اللغة: في الثنائية التركيبية: لسان/كلام، وفي أنظمة اللسان (العقد الجماعي، المونولوجي، وكذا كل نظام القيم المترابطة التي تتحين في الحوار مع الآخر) وفي تبادل الكلام ("التركيبي" بالضرورة، التي ليس إبداعاً خالصاً بل تأليف فردي قائم على أساس تبادل العلامات).

وفي مستوى آخر (يمكن مقارنته بمستوى الفضاء المزدوج للرواية) تمَّ حتى الكشف عن "الطابع المزدوج للغة": الطابع التركيبي (وهو يتحقق في المساحة، وفي الحضور وبالكناية) والطابع النسقي (وهو يتحقق في الاشتراك، وفي الغياب والاستعارة). سيكون مهمّاً أن نحلّل لسانياً التبادلات الحوارية بين محوري اللغة هذين كأساس للازدواج الروائي. ولنشر أيضاً إلى البنيات المزدوجة وتشابكاتها في روابط الشفرة/ الإرسالية (ر. جاكبسون، أبحاث في اللسانيات العامة، الفصل 9) التي تساعد أيضاً على ضبط الفكرة الباختينية عن الحوارية الملازمة للغة.

إن الخطاب الباختيني يشير إلى ما يقصده بنفنيست عندما يتحدث عن الخطاب، يعني "اللغة التي ينهض بها الفرد باعتبارها ممارسة"، أو لنقل، إذا شئنا استعمال عبارات باختين، أنه "من أجل أن تصير روابط الدلالة والمنطق روابط حوارية لابد لها من أن تتجسّد، يعني أن تدخل في منطقة وجود أخرى: أن تصير خطاباً، يعني ملفوظاً، وأن تحصل على مؤلّف، يعني ذات الملفوظ" (مشاكل شعرية دوستويفسكي Problemi poetiki Dostoïevskovo). لكن بالنسبة لباختين، المنحدر من روسيا الثورية المنشغلة بالمشاكل الاجتماعية، ليس الحوار لغة فقط تنهض بها الذات، بل هو كتابة نقرأ فيها الآخر (دون أية إشارة إلى فرويد). وهكذا فالحوارية الباختينية تحدّد الكتابة على أنها ذاتية وتواصلية في نفس الوقت؛ أو بتعبير أفضل، على أنها ذاتية وتواصلية في نفس الوقت، أو بتعبير أفضل، على أنها تناص، وإزاء هذه الحوارية، بدأ مفهوم "الشخص –ذات الكتابة" يختفي ليترك المكان لمفهوم آخر، مفهوم "ازدواج الكتابة".
الازدواج

نستتبع عبارة "الازدواج" إدراج تاريخ (المجتمع) داخل النص، وإدراج النص داخل التاريخ، فبالنسبة للكاتب هما معاً شيء واحد.

وعندما يتحدث باختين عن "طريقين يتلاقيان داخل المحكي"، فهو ينظر إلى الكتابة على أنها قراءة للمتن الأدبي السابق، وإلى النص على أنه امتصاص وردٌّ على نص آخر (تمت دراسة الرواية البوليفونية على أنها امتصاص للكرنفال، ودراسة الرواية المنولوجية على أنها طمس لهذه البنية الأدبية التي يسميها باختين، بحكم نزعته الحوارية، "بالمنيبة La ménipée"). وإذا انطلقنا من هذا المنظور، فالنص لا يمكن إدراكه بواسطة اللسانيات فقط، ولهذا يطالب باختين بضرورة علم يسميه عبر –اللسانيات الذي سيتمكن، بانطلاقه من حوارية اللغة، من فهم العلاقات التناصية، تلك العلاقات التي يسميها خطاب القرن 19 "بالقيمة الاجتماعية" أو "الرسالة" الأخلاقية للأدب. لقد أراد لوتريامون أن يكتب من أجل أخلاقية سامية. وفي ممارستها، تتحقق هذه الأخلاقية كازدواج للنصوص: إن "أغاني مالدورور" و "الأشعار" عبارة عن حوار متواصل مع المتن الأدبي السابق، ومناقشة متجددة للكتابة السابقة، وهكذا يظهر الحوار والازدواج على أنهما الطريقة الوحيدة التي تسمح للكاتب بالدخول إلى التاريخ ممارساً أخلاقية مزدوجة، أخلاقية النفي باعتباره إثباتاً.

يقود الحوار والازدواج إلى نتيجة مهمة: إن اللغة الشعرية في القضاء الداخلي للنص كما في فضاء النصوص لغة "مزدوجة". والباراغرام الشعري الذي يتحدث عنه سوسير (في "الأناغرامات") يمتد من صفر إلى اثنين:

ففي حقله لا وجود للـ "واحد" (أي: التعريف، "الحقيقة")، وهذا يعني أنه لا يمكن تطبيق مفهوم التعريف والتحديد وعلامة "="، ومفهوم العلامة نفسه الذي يفترض تقسيماً عمودياً (تراتبياً) إلى دال ومدلول على اللغة الشعرية كلاتناه من المزاوجات والتركيبات.

إن مفهوم العلامة (الدال –المدلول)، الناتج عن تجريد علمي (الهوية –الجوهر- السبب- الغاية، بنية الجملة الهندو أوربية)، يشير إلى تقطيع خطي عمودي قائم على التراتبية، أما مفهوم المزدوج، الناتج عن تفكير في اللغة الشعرية (اللاعلمية)، فهو يشير إلى "الصوغ الفضائي" والعلائقي للمتوالية الأدبية (اللغوية) ويستلزم أن تكون أصغر وحدة في اللغة الشعرية مزدوجة على الأقل (ليس بمعنى ثنائية الدال –المدلول، بل بمعنى الواحدة والأخرى)، كما يدفع إلى التفكير في اشتغال اللغة الشعرية كنموذج جدولي تتصرف فيه كل "وحدة" (من الآن فصاعداً لا يمكن استعمال هذه الكلمة إلا بوضعها بين مزدوجتين، بما أن كل وحدة مزدوجة) على أنها قمة متعددة التحديد، وهكذا سيكون المزدوج أصغر متوالية لهذه السيميائيات البارغراماتية التي بدأت تتكون انطلاقاً من سوسير (في "الأناغرامات") وباختين.

ودون أن نذهب إلى أقصى حدود هذا التفكير، سنؤكد فيما سيأتي على إحدى نتائجه: عدم قدرة نسق منطقي قائم على أساس صفر –واحد (خطأ –صحيح، لا شيء- ترقيم) على الأخذ بعين الاعتبار اشتغال اللغة الشعرية.

وبالفعل، فالمنهج العلمي منهج منطقي قائم على أساس الجملة الإغريقية (الهند – أوربية) التي تتألف من المسند إليه –المسند وتعمل بالتعريف والتحديد والسببية والمنطق الحديث من فريج Frege وبيانو Peano، إلى لوكاسيلفيج Lukasiewic وأكرمان Ackermann وشيرش Church، الذي يتطور من خلال أبعاده 0-1، بل وحتى منطق بول Boole الذي يقدم، لانطلاقه من نظرية المجموعات، تعقيدات أكثر مشاكلة لاشتغال اللغة، منطق بدون فعالية في منطق اللغة الشعرية حيث لا يكون الواحد 1 حدّاً.

وإذن لا يمكن وضع صوغ شكلاني للغة الشعرية بواسطة الطرق المنطقية (العلمية) الموجودة دون أن يتم تجريدها من طبيعتها، ولذلك فعلى السيميائيات الأدبية أن تقوم بذلك انطلاقاً من منطق شعري، فيه يشمل مفهوم قوة المحتوى مجالاً يمتد من 0 إلى 2، أي محتوى يقوم فيه الصفر 0 بالتعيين ويكون فيه الواحد 1 مخترقاً ضمنياً.

ففي "قوة المحتوى" التي تمتد من الصفر إلى الزوج الشعري بشكل نوعي، يتبين أن "الممنوع" (اللغوي، النفسي، الاجتماعي) هو الواحد (الله، القانون، الحد)، وأن الممارسة اللغوية الوحيدة التي "تتلخص من" هذا الممنوع هي الخطاب الشعري. ولهذا ليس صدفة أن يشار إلى قصور المنطق الأرسطي عند تطبيقه على اللغة: من جهة من طرف الفيلسوف الصيني شانغ تينغ –سان Chang Tung –Sun، الذي أتى من أفق لغوي آخر (أفق العينات الأيديولوجية) حيث تلاحظ أنه مكان الله ينتشر "حوار" يان يونغ Yin –Yang؛ ومن جهة أخرى من طرف باختين الذي يسعى إلى تجاوز الشكلانيين بتنظير دينامي تمّ إنجازه داخل مجتمع ثوري، فبالنسبة إليه، يعتبر الخطاب السردي، الذي يشبَّهه بالخطاب الملحمي، "ممنوعاً" و "مذهباً منولوجياً" وخضوعاً لشفرة الواحد1، خضوعاً لله، وبالتالي، فالملحمي يكون دينياً ولاهوتياً، وكل محكي "واقعي" خاضع لمنطق 0-1 يكون دوغمائياً. والرواية الواقعية التي يسميها باختين بالمنولوجية ترمي إلى أن تتطور داخل هذا الفضاء، فالوصف الواقعي، وتحديد "طابع" ما، وخلق "شخصية" ما، وإنشاء "ذات" ما: كل هذه العناصر الوضعية التي نجدها في المحكي السردي تنتمي إلى مجال 0-1، وإذن فهي منولوجية، والخطاب الوحيد الذي يتحقق فيه المنطق الشعري بشكل كامل سيكون هو الكرنفال: لأنه يخترق قواعد الشفرة اللغوية، وكذا قاعدة الأخلاق الاجتماعية، متبنيّاً منطق الحلم.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 5:04 pm

وفي الواقع، فإن هذا "الاختراق" للشفرة اللغوية (المنطقية والاجتماعية) في الكرنفال ليس ممكناً وفعّالاً إلاّ لأنه يمنح نفسه قانوناً آخر، فالحوارية ليست هي الحرية في قول كل شيء": بل هي "سخرية" (لوتريامون) لكنها درامية، هي اقتضاء آخر غير اقتضاء الصفر 0، ينبغي أن نؤكد على خاصية الحوار كاختراق ذي قانون، حتى نميزه بليفية جذرية وواضحة عمّا يشبه الاختراق في ما يشهد عليه أدب "إيروسي" وبارودي حديث. فهذا الأخير، الذي يريد أن يكون "فاجرا" و "متماثلاً" ينتمي إلى حقل القانون الحريص على اختراق نفسه، وهو بهذا تعويض للمونولوجية، فلا يغير مجال 0-1 ولا علاقة له بمعمارية الحوارية التي تستلزم تمزقاً شكلياً بالنظر إلى المعيار وعلاقة بين العبارات المتعارضة اللا إقصائية.

إن الرواية التي تحتوي على بنية كرنفالية تسمى رواية بوليفونية (متعددة الأصوات). ومن بين الأمثلة التي يقدمها باختين يمكن أن نذكر رابليه، سويفت، دوستويفسكي. ويمكننا أن نضيف الرواية "الحديثة" للقرن العشرين –جويس، بروست، كافكا- مع التوضيح بأن الرواية البوليفونية الحديثة، بما لها بالنظر إلى المونولوجية من وضع اعتباري مماثل للذي للرواية الحوارية للأزمنة السابقة، تتميز بشكل واضح عن هذه الأخيرة. فقد حلت قطيعة في أواخر القرن التاسع عشر، بشكل يبقى به الحوار عند رابليه وسويفت ودوستويفسكي على المستوى التمثيلي والتخييلي، بينما في الرواية البوليفونية لعصرنا يكون الحوار "غير قابل للقراءة" (جويس) ويحصل داخل اللغة (بروست وكافكا)، فانطلاقاً من هذه اللحظة (من هذه القطيعة التي ليست فقط أدبية بل هي أيضاً اجتماعية وسياسية وفلسفية) تمّ طرح مشكل التناص (مشكل الحوار التناصي) كما هو، فنظرية باختين نفسها (وكذا نظرية "الأناغرامات" السوسيرية) هي وليدة هذه القطيعة: لقد استطاع باختين أن يكتشف الحوارية النصية في كتابه ماياكوفسكي Maïakovskiوخلبنيكوف Kklbnikovوبجيلي Bjelyï (وحتى لا نسرد إلا بعض كتّاب الثورة الذين سجّلوا آثار بارزة لهذه القطيعة الكتابية)، قبل أن يطرحها في التاريخ الأدبي كمبدأ لكل تحول ولكل إنتاجية معارضة.

وهكذا فعبارة الحوارية الباختينية كمركب دلالي فرنسي تستتبع: المزدوج واللغة ومنطقاً آخر. وقد بدأت تتبلور مقاربة جديدة للنصوص الشعرية انطلاقاً من هذه العبارة –التي يمكن أن تتبناها السيميائيات الأدبية. فالمنطق الذي تستلزمه "الحوارية" يستلزم في نفس الوقت:

1) منطق مسافة وعلاقة بين مختلف عبارات الجملة أو عبارات البنية السردية –في تعارض مع مستوى الاتصال والجوهر اللذين يخضعان لمنطق الكينونة واللذين سيعتبران مونولوجيين.

2) منطق التناظر والتعارض اللاإقصائي، في تعارض مع مستوى السببية والتحديد التعريفي الذي سيُعتبر مونولوجياً.

3) منطق "اللانهائي"، هذا المفهوم الذي استعرناه من كانتور Cantor)، والذي يُدرج مبدءاً ثانياً للتكوين انطلاقاً من "قوة المحتوى" في اللغة الشعرية (0-2)، بمعنى أن متوالية شعرية تكون "بشكل مباشر أعلى منزلة" (غير مستنبطة بطريقة سببية). وهكذا، فالفضاء المزدوج للرواية يتقدم منظّماً بواسطة مبدأين تكوينيين: المبدأ المونولوجي (كل متوالية لاحقة تكون محدّدة بالمتواليات السابقة) والمبدأ الحواري (متواليات لا نهائية أعلى منزلة بشكل مباشر من السلسلة السببية السابقة) (10)،

إن الحوار هو الأكثر انتشاراً في بنية اللغة الكرنفالية، التي تتخطى فيها العلاقات الرمزية والتناظر روابط الماهية –السببية، وسيتم تطبيق عبارة الازدواج لاستبدال فضاءين نلاحظهما في البنية الروائية: 1) الفضاء الحواري –2) الفضاء المونولوجي.

إن تصور اللغة الشعرية على أنها حوار وازدواج قد قاد إذن باختين إلى إعادة تقييم البنية الروائية اتخذت شكل تصنيف لكلمات المحكي مرتبط بصنافة للخطّاب.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 5:05 pm

تصنيف كلمات المحكي:

يمكن أن نميز حسب باختين ثلاثة أصناف من الكلمات داخل المحكي:

أ) الكلمة المباشرة، وهي بإحالتها إلى موضوعها تحدد المحفل الدلالي الأخير لذات الخطاب داخل إطارات سياق ما، إنها كلمة المؤلّف، الكلمة المُخبرة والمُعبّرة، والكلمة التعيينية التي ينبغي أن تمكّنه من فهم موضوعي مباشر، فهي لا تعرف إلاّ ذاتها وموضوعها الذي تُجهد نفسها كي تطابقه (وهي غير "واعية" بتأثيرات الكلمات الأجنبية).

ب) الكلمة الغيرية هي الخطاب المباشر "للشخصيات"، ولها دلالة موضوعية مباشرة، لكنها لا تقع في نفس مستوى خطاب المؤلّف، إذ توجد على مسافة منه. فهي في نفس الوقت موجّهة نحو موضوعها، وهي نفسها موضوع اتجاه المؤلّف، هي كلمة أجنبية متعلقة بالكلمة السردية باعتبارها موضوع إدراك المؤلّف، لكن توجّه المؤلّف نحو الكلمة الموضوعية لا يتخلّلها بل يأخذها ككل دون أن يغير لا معناها ولا نغميتها، فهو يُخضعها لمهماته الخاصة دون أن يَدُسَّ فيها دلالة أخرى. وبهذا الشكل فالكلمة (الغيرية)، التي صارت موضوع كلمة أخرى (تعيينية)، لا تكون "واعية" بذلك، وإذن فالكلمة الغيرية ذات معنى واحد كالكلمة التعيينية.

ج) لكن بإمكان المؤلّف أن يستعين بكلمة الغير ليُضَمّنها معنى جديداً، مع الحفاظ على المعنى الذي كان للكلمة من قبل. وينتج عن ذلك أن الكلمة تكتسب دلالتين، وتصير مزدوجة، فالكلمة المزدوجة هي إذن نتاج لقاء نسقي من العلامات. وقد ظهرت، أثناء تطور الأجناس، مع المنيبة والكرنفال (وسنعود إلى ذلك). والتقاء نسقين من العلامات يجعل النص نسبياً، فتأثير الأسلبة هو الذي أقام مسافة بالنسبة لكلمة الغير، على عكس المحاكاة (الأصح أن باختين كان يفكر في التكرار) التي تأخذ المحاكَى (المكرّر) مأخذ الجدّ، وتجعله خاصاً بها، تتملكه دون أن تنسّبه. إن هذا الصنف من الكلمات المزدوجة يتميّز بكون المؤلّف يستثمر الغير لغاياته الخاصة، دون أن يصطدم في ذلك بفكره، فهو يسير في اتجاه هذا الكلام مع العمل على تنسيبه، ولا مثيل لهذا في الصنف الثاني من الكلمات المزدوجة التي تعتبر الباروديا من نماذجه. فهنا يُدرج المؤلّف دلالة مغرضة لدلالة كلمة الغير، في حين أن الصنف الثالث من أصناف الكلمة المزدوجة، الذي يعتبر الجدال الداخلي الخفي من نماذجه، يتميز بالتأثير الإيجابي (يعني المحوّل) لكلمة الغير على كلمة المؤلّف، فالكاتب هو الذي "يتكلم"، لكن خطاباً أجنبياً حاضر باستمرار في هذا الكلام الذي يقوم بتغييره، وفي هذا النوع الإيجابي من الكلمة المزدوجة، تكون كلمة الغير ممثَّلة بكلمة السارد، والسيرة الذاتية والاعترافات الجدالية وردود الحوار والحوار المقنّع أمثلة على ذلك النوع، أما الرواية فهي الجنس الوحيد الذي يملك كلمات مزدوجة، فهي الخاصية النوعية لبنيتها.

الحوارية المحايثة للكلمة التعيينية أو القصصية:

إن فكرة وحدانية أو موضوعية المونولوج أو الملحمي الذي يشبّه به، أو الكلمة التعيينية أو الغيرية، فكرة لا تصمد أمام التحليل النفساني، والدلالي للغة، فالحوارية تمتد إلى البنيات العميقة للخطاب. وبالرغم مما يذهب إليه باختين وبنفنيست، فنحن نجدها على مستوى الكلمة التعيينية الباختينية كمبدأ لكل تلفظ، كما نجدها على مستوى "القصة" عند بنفنيست، القصة التي تفترض، كما مستوى "الخطاب" عند بنفنيست، تدخّلاً من المتكلم في المحكي وتوجّها نحو الآخر. ولكي نصف الحوارية المحايثة للكلمة التعيينية أو القصصية، ينبغي أن نلجأ إلى نفسية الكتابة كأثر لحوار مع الذات (مع الآخر)، كمسافة يتخذها المؤلّف إزاء نفسه كانقسام الكاتب إلى ذات التلفظ وذات الملفوظ.

إن ذات السرد تتوجّه، بفعل السرد نفسه، إلى آخر، وإنه في علاقة بهذا الآخر يَتَبَنْيَنُ السرد. (باسم هذا التواصل، يعارض بونج Ponge جملة "أفكر، إذن أنا موجود" بجملة "أتكلم وتسمعني، إذن نحن موجودان"، واضعاً بهذا مسلمة للعبور من الذاتية إلى الازدواج).

وإذن يمكننا دراسة السرد، وبعيداً عن روابط الدال –المدلول، كحوار بين ذات السرد (ذ) والمتلقي (م)، أي الآخر. وهذا المتلقي الذي ليس شيئاً آخر غير ذات القراءة يمثِّل كياناً ذا توجُّه مزدوج: فهو دال في علاقته بالنص وهو مدلول في علاقة ذات السرد به. إنه إذن ثنائية (م1-م2) وعنصراها المتواصلان فيما بينهما يكوِّنان نظام شفرة. وبهذا فذات السرد (ذ) بانجذابها إلى هذه الشفرة، تتحول هي نفسها إلى شفرة، إلى لا أحد، إلى مجهول (المؤلِّف، ذات التلفظ) مقدَّم بواسطة هو (الشخصية، ذات الملفوظ). فالمؤلّف هو إذن ذات السرد المحوَّلة بفعل اندراجها داخل نظام السرد، فهو لا شيء ولا أحد، لكنه إمكانية الانتقال من ذ إلى م، من القصة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى القصة. إنه يصير مجهولاً، غياباً وبياضاً، لكي يسمح للبنية بأن توجد كما هي. ففي أصل السرد نفسه، وفي اللحظة نفسها التي يظهر فيها المؤلّف، نصادف تجربة الفراغ. كما سنلاحظ ظهور مشاكل الموت والميلاد والجنس عندما يلمسُ الأدب تلك النقطة الحساسة التي تتجلى في الكتابة المجسّدة للأنساق اللغوية بواسطة بنية السرد (الأجناس). فانطلاقاً من هذا المجهول، من هذا الصفر، الذي يتموقع فيه المؤلِّف، سيولد هو الشخصية. وفي مرحلة لاحقة، سيصبح اسم علم nom propre (س). وإذن ففي النص الأدبي، لا يوجد الصفر 0، ويحلُّ محلَّ الفراغ بشكل مفاجئ "واحد" (هو، اسم علم).

يكون اثنين في نفس الوقت (ذات ومتلق). إن المتلقي، ذلك الآخر، تلك الخارجية (التي تكون ذات السرد موضوعها، والتي هي في نفس الوقت ممثَّل وممثِّل) التي تحول الذات إلى مؤلِّف، يعني التي تمرِّر (من مرحلة الصفر، مرحلة النفي والإقصاء، التي يكوِّنها المؤلِّف. وهكذا ففي الذهاب والإياب بين الذات والآخر، بين الكاتب والقارئ، يَتَبَنْيَنُ المؤلِّف كدالّ، والنص كحوار بين خطابين.

ويسمح تكوين الشخصية (تكوين "الطابع") من جهة بانقسام ذ إلى ذت (ذات التلفظ) وإلى ذم (ذات الملفوظ).

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 5:05 pm

خطط هذا الإبدال هي=

ذ

ــــــ ــــــ أ (صفر) ـــــ هو ــــ س=ذ ذت ذم

م1 م2

خطة1

تحتوي هذه الخطة على بنية النسق الضمائري (11) الذي اكتشفه علماء النفس في خطاب موضوع التحليل النفسي=

أنا د

هو1 س

هو0 ذت

هو ذم

خطة: 2

سنجد على مستوى النص (مستوى الدال) وفي ارتباط ذت –ذم هذا الحوار القائم بين الذات والمتلقي والذي يتبنين على أساسه كل سرد، وتلعب ذات التلفظ بالنسبة لذات الملفوظ دور المتلقي بالنسبة للذات. إنها تدرجها في نسق الكتابة بتمريرها عبر الفراغ، وقد سمى مالارميه هذا الاشتغال بـ "غياب التواصل".

إن ذات الملفوظ هي في نفس الوقت ممثِّلة لذات التلفظ وممثَّلة كموضوع لذات التلفظ، فهي إذن قابلة للاستبدال بمجهول المؤلِّف، وهذا التوليد للزوج انطلاقاً من الصفر هو الشخصية (الطابع). إنها "حوارية" بما أن "ذ" و "م" تتقنَّعان فيه.

إن هذه المقاربة، إزاء السرد والرواية، التي قمنا بوصفها، قد تخلت دفعة واحدة عن تمييزات الدال –المدلول، وجعلت من هذه المفاهيم مفاهيم غير عملية في الممارسة الأدبية التي لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الدال (الدوال) الحواري (الحوارية)، فالدال يمثِّل الذات أمام دال آخر" (لاكان).

إن السرد يتكون دوماً كنواة حوارية من طرف المتلقي الذي يحيل إليه هذا السرد، ويحتوي كل سرد وبالطبع حتى سرد التاريخ والعلم على هذه الثنائية الحوارية التي يشكّلها السارد مع الآخر والتي تُتَرجم في الرابط الحواري ذت/ ذم. إن كلاًّ من ذت وذم هو بالنسبة للآخر وبالتناوب دال ومدلول، لكنهما لا يكوِّنان إلاّ لعبة استبدال بين دالّين.

لكن من خلال بعض البنيات السردية فقط يتمكن هذا الحوار، هذا الامتلاك للعلامة كزوج، هذا الازدواج في الكتابة، من الانكشاف داخل تنظيم الخطاب (الشعري) نفسه وعلى مستوى تمظهر النص (الأدبي).
نحو صنافة للخطابات:

يقود التحليل الدينامي للنصوص إلى إعادة توزيع الأجناس= تدعونا الراديكالية التي باشر بها باختين إلى الأخذ بها لتكوين صنافة للخطابات.

إن عبارة المحكي التي يستخدمها الشكلانيون هي أكثر لبساً من الأجناس التي تدَّعي أنها تعنيها، وهنا يمكننا أن نميِّز على الأقل بين نوعين=

من جهةْ هناك خطاب مونولوجي وهو يحتوي على: (1) نمط تمثلي للوصف وللسرد (الملحمي). (2)الخطاب التاريخي. (3)الخطاب العلمي. وتقوم الذات في هذه الأنماط الثلاثة بدور 1(الله) الذي تخضع له عن طريق نفس المقاربة؛ والحوار المحايث لكل خطاب هو حوار مطموس من طرف ممنوع، من طرف رقابة، بشكل يرفض به هذا الخطاب أن ينقلب على نفسه (أن "يحاور"). ويعني إعطاء نماذج عن هذه الرقابة وصف الاختلافات القائمة بين خطابين=خطاب الملحمة (خطاب التاريخ والعلم) وخطاب المنيبة (خطاب الكرنفال والرواية) التي ينتهك الممنوع. إن الخطاب المونولوجي يناسب القطب النسقي للغة الذي تحدث عنه جاكبسون. ولقد اقترحنا تطابقه كذلك مع الإثبات والنفي النحويين.

ومن جهة أخرى هناك خطاب حواري: وهو خطاب: (1) الكرنفال(2) المنيبة (3)الرواية (المتعددة الأصوات). وتقرأ الكتابة في بنيات هذا الخطاب كتابة أخرى تقرأ نفسها وتتكون داخل تكوين تقويضي.
المونولوجية الملحمية

يوضح الملحمي، الذي يتبنين في نهاية السانكريتية، القيمة المزدوجة للكلمة في مرحلتها ما بعد –السانكريتية= كلام ذات ("أنا") مخترقة لا محالة من طرف اللغة، حاملة للملموس والكوني، للفردي والجماعي. لكن المتكلم (ذات الملحمة) لم يكن في الحقبة الملحمية مقيَّداً بكلام الغير. تحدث لعبة اللغة الحوارية كارتباط للعلامات وكاستبدال حواري لدالين بمدلول، على مستوى السرد (في الكلمة التعيينية أو أيضاً في محايثة النص) دون أن تنكشف على مستوى التمظهر النصي، كما هو الحال بالنسبة للبنية الروائية، فهذه الخطط هي التي تشتغل داخل المحلمي، وليس بعد إشكالية كلمة باختين المزدوجة. ويبقى إذن مبدأ تنظيم البنية الملحمية مونولوجياً.ولا يتمظهر فيها حوار اللغة إلا في البنية التحتية للسرد. فالحوار لا يحدث على مستوى التنظيم الظاهر للنص (التلفظ القصصي/ التلفظ الخطابي)، بل يبقى مظهرا التلفظ مقصورين على وجهة نظر السارد المطلقة والذي يطابق الله كله والعشيرة كلها. إننا نجد في هذه المنولوجية الملحمية هذا المدلول المتعالي و "حضور الذات" اللذين أحاط بهما جاك دريدا.

إن النمط النسقي (التشابه بعبارة جاكبسون) للغة هو الذي يهيمن داخل المجال الملحمي. أما بنية التجاور الكنائي الخاصة بالقطب التركيبي فهي نادرة فيه. توجد فيه الجناسات والكنايات كصور بلاغية لكنها مع ذلك لم تصبح مبدأ تنظيمياً بنيوياً. إن المنطق الملحمي يبحث عن العام انطلاقاً من الخاص؛ فهو إذن يفترض تراتبية داخل بنية الجوهر، وهو نتيجة لذلك سببي، يعني لاهوتي =اعتقاد بكل ما تعنيه الكلمة.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 5:06 pm

الكرنفال أو تشاكل الجسد –الحلم- البنية اللسانية –
بنية الرغبة:

إن البنية الكرنفالية هي بمثابة أثر لكوسموكونية (تصور للكون) لا تعرف الجوهر والعلة والهوية خارج الارتباط بالكلّ الذي لا يوجد إلا داخل العلاقة وبها. وبقاء التصور الكرنفالي للكون على قيد الحياة هو بقاء لا- لاهوتي (الأمر الذي لا يعني أنه لا –أسطوري) وشعبي بشكل جوهري. لقد ظل هذا التصور أساساً مجهولاً بل مضطهداً أحياناً من طرف الثقافة الغربية الرسمية عبر تاريخها. وهو يتمظهر أكثر في الألعاب الشعبية وفي المسرح القروسطي (الحكايات الشعبية والخرافات ورواية الثعلب). إن الكرنفال حواري بالضرورة (فهو ينجز مسافات وعلاقات وتعارضات محورية). وهذه الفرجة لا منصة لها، هذه اللعبة نشاط، هذا الدال مدلول، يعني أن فيها يلتقي نصان وفيها يتعارضان، وفيها يصبحان نسبيين. إن الذي يشارك في الكرنفال هو في نفس الوقت ممثِّل ومتفرِّج، إنه يفقد وعيه الشخصي ليمرَّ عبر صفر النشاط الكرنفالي فينقسم إلى ذات للفرجة وإلى موضوع للعبة. هكذا تتلاشى الذات في الكرنفال: وهنا تقوم بنية المؤلِّف كمجهول يخلُق ويُنظر إليه وهو يخلق، تقوم كالأنا وكالآخر، كإنسان وكقناع. ينبغي مقارنة الديونيزية النيتشوية Dionysisme nietzchéen بالارتياب الساخر للمشهد الكرنفالي الذي يدمر إلاهاً كي يفرض قوانينه الحوارية. لقد أتم الكرنفال لا محالة، بكشفه عن البنية الإنتاجية الأدبية التأصلية، الوعي الذي يسند هذه البنية =الجنس والموت. ينتظم حوار بينهما وعنه تنتج الثنائيات البنيوية للكرنفال= الأعلى والأدنى، الميلاد وسكرة الموت، الثناء والقسم، الضحك والبكاء.

تترجم التكرارات والأقوال المسماة "بدون تتمة" (وهي "حوارية" في مجال لا محدود) والتعارضات اللاإقصائية التي تشتغل كمجموعات فارغة أو كركامات منفصلة –حتى لا نسرد إلا بعض الصور الخاصة باللغة الكرنفالية –حوارية لا يعرف مثلها أي خطاب آخر بمثل هذا الشكل الواضح. ويُعارض الكرنفال، بمعارضته قوانين اللغة التي تتطور داخل مجال 0-1، الله والسلطة والقانون الاجتماعي. إنه متمرّد كلّما كان حوارياً: إنه ليس جديراً بالإعجاب إلا بسبب هذا الخطاب المخترق. وقد أصبحت لعبارة الكرنفال دلالة تهجينية بشكل قوي وكاريكاتورية بشكل خاص.

هكذا يكون مشهد الكرنفال الذي لا توجد به منصة ولا "صالة" مشهداً وحياة، لعبة وحلماً، خطاباً وفرجة؛ إنه كذلك عرض للمجال الوحيد الذي تنجو فيه اللغة من الخطية (من القانون) لكي تعاش كدراما من خلال ثلاثة أبعاد؛ الأمر الذي يدل كذلك وبعمق على العكس بما أن الدراما تستقر داخل اللغة. ويكشف هذا عن أكبر مبدأ = الخطاب الشعري صوغ درامي، استبدال (بالمعنى الرياضي للكلمة) درامي للكلمات. ففي خطاب الكرنفال يبرز الواقع بـ "أن الأمر متعلق بالوضعية الذهنية كما بمنعطفات الدراما" (مالارميه). وبعبارة أخرى سيكون هذا المشهد هو المكان الوحيد الذي سيتم فيه "اللانهائي الممكن" (حتى نستعمل مصطلح هيلبر) للخطاب والذي تتمظهر فيه في نفس الوقت الممنوعات (التمثيل- "المونولوجي") واختراقها (الحلم –الجسد- "الحواري"). لقد امتُصّ هذا التقليد الكرنفالي من طرف المنيبة كما مورس من طرف الرواية المتعددة الأصوات.

إن اللغة تحاكي بسخرية في المشهد العام للكرنفال وتصير نسبية، متخلصة من دورها التمثيلي (الأمر الذي يثير الضحك) دون أن تتمكن من التخلي عنه بالمرة. وسينكشف القطب التركيبي للغة في هذا المجال وسيكون، بتحاوره مع القطب النسقي، بنية مزدوجة سترثها الرواية عن الكرنفال. إن البنية الكرنفالية، لكونها فاجرة (يعني مزدوجة) ولكونها تمثيلية ولا –تمثيلية، هي لا مسيحية ولا- عقلانية. وقد ورثت كل الروايات الكبرى المتعددة الأصوات هذه البنية الكرنفالية المنيبية (رابليه –سرفانتيس –سويفت- صاد- بلزاك- لوتريامون- دوستويفسكي-كافكا). فتاريخ الرواية المنيبية هو كذلك تاريخ مقاومة المسيحية ونزعتها التمثيلية يعني أنها استتمار للغة (الجنس والموت) وتقديس للازدواج، وتقديس "للفجور".

ينبغي أن نكون حذرين من هذا اللبس الذي سيتعرض له استعمال كلمة "كرنفالي"، فهذه الكلمة توحي بصفة عامة في المجتمع الحديث بالباروديا، إذن بتقوية للقانون. فهناك ميل إلى إخفاء المظهر الدرامي (القاتل- السلبي- الثوري بمعنى التحول الجدلي) للكرنفال، وهذا المظهر بالضبط هو الذي يشدّد عليه باختين وهو الذي اكتشفه في المنيبية أو عند دوستويفسكي. فضحك الكرنفال ليس باروديا فقط، وليس كوميديا أكثر مما هو تراجيدي، بل كوميدي وتراجيدي في نفس الوقت، وإذا أردنا قلنا إنه جدّي، وبهذا فقط يكون مشهده لا مشهداً للقانون ولا مشهداً لباروديا هذا القانون وإنما هو آخره، وتقدم الكتابة الحديثة أمثلة عديدة وواضحة عن هذا المشهد العام الذي هو القانون والآخر والذي يلزم فيه الضحكُ الصمتَ لأنه ليس باروديا بل هو قتل وثورة. (آرطو).

إن الملحمي والكرنفال هما التياران اللذان شكّلا المحكي الأوربي، وكان الواحد منهما يهيمن على الآخر حسب المراحل والمؤلِّفين. والتقليد الكرنفالي الشعبي ما يزال يتمظهر في الأدب الشخصي للعصور القديمة المتأخرة ويبقى إلى حدود اليوم المصدر الحي الذي ينعش الفكر الأدبي موجِّهاً إيّاه نحو تصورات جديدة.

وقد ساعدت النزعة الإنسانية القديمة على انحلال المونولوجية الملحمية التي كانت تلتحم أكثر بالكلام والتي كان يعبّر عنها الخطباء والفصحاء والسياسيون من جهة والتراجيديا والملحمة من جهة أخرى. وقبل أن تقوم مونولوجية أخرى (مع انتصار المنطق الصوري والمسيحية وإنسانية (12) النهضة)، أظهرت العصور القديمة المتأخرة إلى الوجود جنسين هما اللذان كشفا عن حوارية اللغة وهما اللذان سيكوِّنان، بانحصارهما داخل السلالة الكرنفالية، خميرة الرواية الأوربية. وهذان الجنسان هما:
الحوارات السقراطية والمنيبة.
الحوار السقراطي أو الحوارية كتلاش للشخص:

كان الحوار السقراطي أكثر انتشاراً في العصور القديمة = لقد برع فيه كل من أفلاطون واكسينوفون وانتستنيس وايسخين وفيدون وإقليدس… الخ (لم تصلنا إلا حوارات أفلاطون واكسينوفون). والحوار السقراطي ليس جنساً بلاغياً بل هو جنس شعبي وكرنفالي. ورغم كونه في الأصل نوعاً من المذكرات (إنه بمثابة ذكريات حول تلك المناقشات التي كانت بين سقراط وتلامذته)، فإنه استطاع أن يتحرر من القيود التاريخية وأن لا يحافظ إلا على الطريقة السقراطية في الكشف الحواري عن الحقيقة وعن بنية الحوار المسجّل والمؤطّر بواسطة المحكي، لقد لام نيتشه أفلاطون لكونه تجاهل التراجيديا الديونيزية، لكن الحوار السقراطي كان هو قد احتوى على البنية الحوارية والجدالية للمشهد الكرنفالي. وتتميز الحوارات السقراطية حسب باختين بتعارضها مع المونولوجية الرسمية التي تدعي اكتسابها للحقيقة الكاملة. فالحقيقة (المعنى) السقراطية تنتج عن الروابط الحوارية للمتكلمين، فهي علائقية ونسبيتها تتمظهر من خلال استقلال وجهات نظر الملاحظين ففنَّها هو فنّ تشكيل العجائبي، فنّ علائقية العلامات- وقد أنتجت هذه الشبكة اللسانية أسلوبين نموذجين= السينكريزا La syncrise (تقابل مختلف الخطابات حول نفس الموضوع) والأناكريزا L’anacruse (استدعاء كلمة بكلمة أخرى). وذوات الخطابات هي ذوات لا- شخصية ومجهولة ومضمرة من طرف الخطاب الذي يكوِّنها. وقد نبَّه باختين إلى أن "حدث" الحوار السقراطي حدث خطابي: إنه يسائل ويختبر قاعدة ما بواسطة الكلام. فالكلام إذن مرتبط عضوياً بالإنسان الذي خلقه (سقراط وتلاميذته)، أو بتعبير أحسن: الإنسان ونشاطه هما الكلام. وهنا يمكننا الحديث عن كلام –ممارسة ذات طابع توفيقي= إن سيرورة الفصل بين الكلمة، كفعل وكممارسة برهانية وكتشكيل اختلاف، وبين الصورة كتمثيل، كمعرفة، كفكرة، لم تكتمل بعد في عصر تشكُّل الحوار السقراطي. هناك جزئية مهمة =توجد ذات الخطاب في وضعية إقصائية هي التي تقوم باستدعاء الحوار. عند أفلاطون في "الدفاع"، فإن وضعية المحكمة وانتظار الحكم هما اللذان يحددان خطاب سقراط كاعتراف إنسان على "العتبة". فالوضعية الإقصائية تقوم بتحرير الكلمة من كل موضوعية ومن كل وظيفة تمثيلية وتكشف لها عن مجالات الرمزي. يواجه الكلام الموت مقيساً نفسه بخطاب آخر، ويضع هذا الحوار الشخص خارج الدائرة.

إن تشابه الحوار السقراطي والكلمة الروائية المزدوجة أمر ثابت. ولم يدم الحوار السقراطي طويلاً لكنه أظهر إلى الوجود أجناساً كثيرة منها المنيبة التي توجد أصولها كذلك في الفلولكلور الكرنفالي.
المنيبة = النص كنشاط اجتماعي:

1- لقد أخذت المنيبة هذا الاسم من فيلسوف القرن الثالث قبل الميلاد. وهذا الفيلسوف هو منيب دوكادار (الذي لم تصلنا هجائياته الساخرة لكننا علمنا بوجودها من خلال شهادات ديوجين لايرص). ولقد استعملت الكلمة من طرف الرومانيين لتعيين جنس تكوَّن في القرن الأول قبل الميلاد (فارون في هجيائياته المنيبية). لكن هذا الجنس كان قد ظهر قبل ذلك بكثير = ربما كان انتستنيس أول ممثِّل لهذا الجنس وهو تلميذ سقراط وأحد مؤلّفي "الحوارات السقراطية". ولهيراقليطس هو الآخر منيبات (لقد أبدع جنساً أدبياً مماثلاً حسب شيشرون وسماه Logistoricus). أما فارون فقد أعطى لهذا الجنس استقراراً محدّداً. وتعدّ L’Apocolocynthosis لسينكا هجائية منيبية كلاسيكية. وهناك كذلك Le satiricon لبترون، وهجائيات لوكيان، "وتحولات" أبوليي ورواية هيبوقراط ومختلف أشكال الرواية الإغريقية والرواية الطوباوية العتيقة، والهجائية الرومانية (هوراس). وفي مدار الهجائية المنيبية تطور القدح اللاذع Diastribe ومناجاة النفس Soliloque والأجناس الفلسفية الهازلة Aretalogique. وقد مارست الهجائية المنيبية تأثيراً كبيراً على الأدب المسيحي والبيزنطي؛ وواصلت تطورها خلال القرون الوسطى، وفي عصر النهضة والإصلاح وإلى يومنا هذا (روايات جويس وكافكا وبطاي). فلهذا الجنس الكرنفالي المرن والقابل للتغيير تأثيراً كبير على تطور الأدب الأوروبي وبالخصوص على تكوين الرواية.

إن المنيبية كوميدية وتراجيدية في نفس الوقت، بل هي أساساً جدّية بالشكل الذي يأتي به الكرنفال جدّياً، وهي تقوم بواسطة الوضع الاعتباري لكلماتها بإزعاج سياسي واجتماعي. فهي تحرِّر الكلام من القيود التاريخية مما يؤدي إلى خلق جراءة أو حرية مطلقة للإبداع الفلسفي وللخيال. ويشير باختين إلى أن الوضعيات "الإقصائية" تصعد من حرية اللغة داخل المنيبية. فتنصهر العجائبية والرمزية (الأسطورية أحياناً) مع نزعة طبيعية مخيفة. و تجري المغامرات داخل دور البغاء وعند اللصوص وفي الحانات وفي سوح الأسواق وفي السجون وفي الحفلات التهتكية الشهوانية لبعض الطقوس المقدسة… الخ. ولا تخاف الكلمة من أن تسود، بل تتحرر من "القيم" المسلَّم بها دون أن تميز بين الرذيلة والفضيلة ودون أن تتميز عنهما، بل تعتبرهما ميدانها الخاص، كما تعتبرهما من إبداعاتها. ويتم إبعاد المسائل الأكاديمية قصد مناقشة "المسائل الأخيرة" للوجود –توجِّه المنيبة اللغة المتحرّرة نحو مذهب كوني فلسفي دون أن تميز بين الأنطلوجيا والكوسموكونيا، بل تجمع بينهما داخل فلسفة الحياة التطبيقية. ففي المنيبة تظهر عناصر عجيبة ومجهولة من طرف الملحمة والتراجيديا (مثلاً تعمل وجهة نظر غير عادية ومن الأعلى على تغيير سلَّم الملاحظة أو المراقبة، وهذه العملية موجودة في lcaraménippe عند لوكيان وفي Endymion عند فارون، كما نجدها مرة أخرى عند رابليه وسويفت وفولتير… الخ). وتصبح الحالات النفسية الشادة والمرضية (الحمّق –ازدواج الشخصية –الأحلام- الموت) مادة للمحكي (لقد تأثرت كتابة كلدرون وشكسبير بهذه العملية). ولهذه العناصر حسب باختين دلالة بنيوية أكثر مما لها دلالة موضاعاتية؛ إذ تعمل على تدمير الوحدة الملحمية والتراجيدية للإنسان كما تعمل على تدمير إيمانه بالهوية والأٍسباب، وتشير إلى أنه قدْ فقد وحدته، إذ لم يعد يطابق نفسه، ثم إنها تقدم نفسها في نفس الوقت على أنها استثمار للغة والكتابة = في منيبة فارون "مارك المزدوج" يتحدث الماركيان حول ما إذا كان من اللازم الكتابة من خلال المجاز. إن المنيبة تتطلع إلى الشغب والغرابة داخل اللغة. وتتسم كذلك باستعمالها "للكلمة التي في غير محلها"، وهي في غير محلها بصراحتها الوقحة وبتدنيسها للمقدس وبخرقها الحاد لآداب السلوك. إن المنيبة تتكون أساساً من التعارضات = عاهرة فاضلة، قاطع طريق شريف، حكيم حر وعبد في نفس الوقت.. الخ. وهي تستخدم مسالك وتحولات حادة، منها السامي والوضيع، العقبة والمنحدر. إنها تستخدم مختلف الأشكال غيرالمتكافئة وهنا تظهر اللغة مفتونة بـ المزدوج ( بنشاطها الخاص كأثر غرافي يتجاوز الخارج). كما تظهر مفتونة بمنطق التعارض الذي يحل محل منطق الهوية في تحديد المفاهيم. وتتكون المنيبة، لكونها الجنس الشامل، كتبليط للأقوال –بهذا فهي تحتوي على كل الأجناس = القصص والرسائل والخطابات وخلط من المنظوم والمنثور. والدلالة البنيوية لكل هذا هي تعيين مسافات الكاتب اتجاه نصّه، واتجاه النصوص الأخرى، وهذا التعدد الأسلوبي وهذا التعدد النبري هما اللذان يفسّران الصعوبات التي تعترض المذهب الكلاسيكي أو أي مجتمع متسلط أراد التعبير عن نفسه من خلال رواية وارثةٍ للمنيبة.

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاطمة عمر
مشرفة قسم اللغة العربية
مشرفة قسم اللغة العربية


انثى
السرطان عدد الرسائل : 1887
العمر : 32
السٌّمعَة : 5
نقاط : 3172
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 5:07 pm

تنصهر المنيبة، بتكوينها كاستثمار للجسد والحلم واللغة، في راهنيتها = المنيبة نوع من الصحافة السياسية لعصرها إذ أن خطابها يكشف عن الصراعات السياسية والأيديولوجية للعصر. إن حوارية كلماتها هي فلسفة تطبيقية لمحاربة المثالية والميتافيزيقا الدينية (مع محاربة الملحمي كذلك)= إنها تكوّن فكراً اجتماعياً وسياسياً للعصر قصد مناقشة اللاهوت (القانون).

2- هكذا تأتي المنيبة مُبَنْيَنَة كازدواج وكمركز ذي اتجاهين في الأدب الغربي: تمثيل من طرف اللغة كإخراج مشهدي، واستثمار للغة كنظام علائقي للعلامات. فاللغة المنيبية هي في نفس الوقت تمثيل لفضاء خارجي و "تجربة إنتاجية لفضائها الخاص". ونجد في هذا الجنس الملتبس بدايات الواقعية (نشاط ثانوي بالنسبة للمعيش، يوصف فيه الإنسان وهو يمنح لنفسه فرجة ليصل إلى إنجاز "شخصيات" وطبائع") كما نجد فيه رفضَ تحديد عالمٍ نفسيٍّ (نشاط في الحاضر يتميز بالصور والحركات والكلمات، الحركات التي يعيش الإنسان من خلالها حدوده في اللا –شخصي). ويقرب هذا المظهر الثاني للمنيبة بنيتها من بنية الحلم أو من الكتابة الهيروغليفية أو إذا أردنا من مسرح القسوة الذي فكر فيه أرسطو. إن المنيبة كهذا المسرح"، فهي لا تعادل الحياة الشخصية، ولا تعادل المظهر الشخصي الذي تسمو فيه الطبائع لكنها تعادل نوعاً من الحياة المتحررة التي تقوم بتنقية الفردية الإنسانية، والتي يصبح فيها الإنسان انعكاساً فقط". إن المنيبية، كهذا المسرح، ليست تطهيراً بل هي حفلة قسوة وفعل سياسي كذلك. إنها لا ترسل أية رسالة محددة إلا أن تكون هي نفسها ذلك "الفرح الأبدي بالتحول"، وأن يتم استنفاذها في الفعل والزمان الحاضر. وأن تظهر بعد سقراط وأفلاطون والسفسطائيين، يعني أنها معاصرة للعصر الذي لم يعد فيه الفكر قطّ ممارسة: ("مجرد اعتباره تقنية TECHNE يبين مسبقاً أن الفصل بين الممارسة Praxis وبين الشعرية Poesis قد حصل"). وأصبح الأدب، في تطور مماثل، "فكراً" واعياً بنفسه كعلامة. فالإنسان المستلب من طرف الطبيعة والمجتمع، ينسلب لذاته، ويكتشف "داخله" و "يُشَيِّء" هذا الاكتشاف من خلال ازدواج المنيبة. إنها العلامات المبشّرة بالتمثيل الواقعي. ومع ذلك لا تعرف المنيبة مونولوجية ذات مبدأ لاهوتي (أو مونولوجية الإنسان –الله كما هو الحال منذ عصر النهضة) تساعدها على تقوية مظهرها التمثيلي. فالطغيان الذي تخضع له هو طغيان النص (وليس طغيان الكلام كانعكاس لعالم موجود قبلها)، أو بالأحرى طغيان بنيته الخاصة التي يتمّ إحداثها وفهمها انطلاقاً منها هي نفسها- وبهذا تتكون المنيبة هيروغليفية مع كونها فرجة. وهذا الازدواج هو الذي ستورثه للرواية، وقبل كل شيء للرواية المتعددة الأصوات، التي لا تعرف قانوناً ولا تراتبية، لكونها مجموعة من العناصر اللسانية في ارتباط حواري. فمبدأ اتصال مختلف أجزاء المنيبة هو بالتأكيد تماثل (تشابه وتعلّق وإذن "واقعية") لكنه أيضاً تجاور (تناظر، تجاور وإذن "بلاغة"، ليس بمعنى البديع الذي يعطيه لها كروص، بل كتزكية باللغة وداخلها). ويؤلِّف الازدواج المنيبي بين فضاءين (13): فضاء المشهد وفضاء الهيروغليفي، فضاء التمثيل بواسطة اللغة وفضاء التجربة داخل اللغة، أي النظام والمركب، الاستعارة والكتابة. وهذا الازدواج هو الذي سترثه الرواية.

وبعبارة أخرى تتعارض حوارية المنيبة (والكرنفال)، والتي تترجم منطق العلاقة والتناظر أكثر مما تترجم منطق الماهية والاستنتاج، مع المنطق الأرسطي؛ وتوجه المنطق الصوري نفسه انطلاقاً من داخله وبالسير إلى جنبه نحو أشكال فكرية أخرى.

حقاً إن العصور التي تتطور فيها المنيبة هي العصور التي تعارض الأرسطية. ويظهر أن مؤلّفي الروايات المتعددة الأصوات يرفضون بنيات الفكر الرسمي نفسها التي تقوم على أساس المنطق الصوري.
الرواية المدمّرة:

1- لقد كان المظهر المنيبي خاضعاً لسلطة النص الديني في القرون الوسطى، كما كان خاضعاً للنزعة الأحادية المطلقة ABSOLUTISME للفرد والأشياء خلال العهود البورجوازية. والحداثة المتحررة من فكرة "الله" هي وحدها التي استطاعت تحرير القوة المنيبية للرواية.

وإذا كان المجتمع الحديث (البورجوازي) لا يقبل فقط بل يزعم أنه يتعرف على نفسه في الرواية (14)، فلأن الأمر يتعلق بهذا الصنف من المحكيات المونولوجية، المسمّاة واقعية، التي ترفض الكرنفال والمنيبة والتي بدأ تبنيتها يتّضح منذ النهضة. وبالعكس فالرواية الحوارية المنيبية التي تنزع إلى رفض التمثيل والملحمي هي مسموح بها فقط، بمعنى أنها معتبرة غير مقروءة ومجهولة ومداسة = إنها تتقاسم إبان الحداثة نفس الوضع مع الخطاب الكرنفالي الذي كان يمارسه طلبة القرون الوسطى خارج الكنيسة.

تجسد الرواية، وبالخصوص الرواية الحديثة المتعددة الأصوات، بضمّها للمنيبة، مجهود الفكر الأوربي للخروج من إطار الماهيات المتماثلة والمحددة سببياً قصد توجيهه نحو نمط فكري آخر =نمط ينبثق من الحوار. (منطق المسافة والعلاقة والتناظر والتعارض اللاإقصائي واللانهائي). وليس من المدهش إذن أن يتم اعتبار الرواية جنساً وضيعاً (من طرف الكلاسيكية وكل الأنظمة المشابهة لها) أو جنساً مدمّراً (أفكر هنا في أكبر مؤلّفي الروايات المتعددة الأصوات لكل العصور –رابليه- سويفت- صاد- لوتريا مون- جويس –كافكا- باطاي- حتى لا نسرد إلا الذين كانوا دائماً وما يزالون على هامش الثقافة الرسمية). ويمكن أن نبيّن من خلال الكلمة والبنية السردية الروائية للقرن العشرين كيف يخترق الفكر الأوربي خصائصه التكوينية = الهوية والماهية والسببية والتعريف قصد الاعتماد على خصائص أخرى = التناظر والعلاقة والتعارض، وإذن الحوارية والازدواج المنيبي (15). ذلك لأنه إذا كان هذا الجرد التأريخي الذي قدّمه باختين يوحي بصورة متحف أو بمقاربة حافظ للأرشيف، فإن ذلك ليس أقل رسوخاً في راهنيتنا. فكل ما يكتب اليوم يكشف عن إمكانية أو استحالة قراءة أو كتابة التاريخ. ويمكن أن نلمس هذه الإمكانية في الأدب الذي يقدم من خلال كتابات جيل جديد يتأسّس فيها النص كمسرح وكقراءة. وكما قال مالارميه، الذي كان أول من فهم الكتاب على أنه منيبة، (نشير مرة أخرى إلى أن لهذه العبارة الباختينية امتياز تحديد طريقة معينة للكتابة في التاريخ)، فإن الأدب "لن يكون أبداً إلا بريقاً لما ينبغي أن يحدث من قبل أو قريباً من الواقع الأصلي".

2- هكذا نتمكن من تشييد نموذجين لتنظيم الدلالة السردية انطلاقاً من مقولتين حواريتين= 1 –الذات (د) «المتلقي(م). 2-ذات التلفظ « ذات الملفوظ.

يستلزم النموذج الأول رباطاً حوارياً، ويستلزم النموذج الثاني رباطات نموذجية قصد إنجاز الحوار. ويقوم النموذج الأول بتحديد الجنس (الشعر الملحمي، الرواية). ويقوم النموذج الثاني بتحديد متغيرات الجنس.

وفي البنية الروائية المتعددة الأصوات، فإن النموذج الحواري الأول

(د « م) يشغل كلية داخل الخطاب الذي يكتبه، ويتقدم كمعارضة دائمة لهذا الخطاب. فمحاور الكاتب هو إذن الكاتب نفسه كقارئ لنص آخر، والذي يكتب هو نفسه الذي يقرأ. إنه هو نفسه، وبما أن محاوره نصّ، ليس إلا نصّاً تعاد قراءته أثناء إعادة كتابته. وبهذا لا تظهر البنية الحوارية إلا على ضوء نص يتأسّس بالارتباط مع نص في شكل ازدواج.

وبالعكس ففي الملحمي يكون م (أي المتلقي) وحدة مطلقة خارج –نصية (الله –العشيرة) تجعل الحوار نسبياً إلى حدّ إلغائه واختزاله إلى مونولوج. ومن السهل إذن أن نفهم لماذا تستند الرواية المسماة كلاسيكية للقرن 19 وكل رواية ذات أطروحة أديولوجية على نزعة ملحمية، وتكون بذلك انحرافاً عن البنية الروائية الحقيقية (مونولوجية تولستوي الملحمية، وحوار دوستويفسكي الروائي).

ويمكن أن نلاحظ داخل إطارات النموذج الثاني العديد من الإمكانيات:

أ- تطابق ذات الملفوظ (دم) ودرجة الصفر لدى ذات التلفظ (ذت) التي تمكن الإشارة إليها بال "هو" IL (ضمير اللاشخصي) أو بالاسم الخاص. إنها أسهل تقنية سردية وجدت منذ ظهور المحكي.

ب- تطابق ذات الملفوظ (ذم) وذات التلفظ ( ذت) . إنه السرد بضمير المتكلم" أنا" "E J"

د- تطابق ذات الملفوظ (ذم) والمتلقي (م). إنه السرد بضمير المخاطب "أنت" "TU" كما هو الحال مثلاً بالنسبة للكلمة الغيرية لراسكولنكوف في "الجريمة والعقاب". وقد تم استثمار شديد لهذه التقنية من طرف ميشال بوتور في "التغيير".

ج- تطابق ذات الملفوظ (دم) وذات التلفظ (ذت) والمتلقي (م) في نفس الوقت. وبهذا تصبح الرواية مساءلة للكتابة كما تقوم بإظهار الإخراج المشهدي لبنية الكتاب الحوارية. وفي نفس الوقت، يصير النص قراءة (استشهاداً وتأويلاً) لمتن أدبي خارجي، وبذلك يتأسّس كازدواج. وتأتي "دراما" فيليب سوليرز باستعماله للضمائر وباستشهاداته المجهولة التي نقرأها في الرواية كخير مثال على ذلك.

تؤدي قراءة باختين إلى الجدول التالي:

الله

الممارسة

"القصة"


"الخطاب"

المونولوجية


الحوارية

المنطق الأرسطي


المنطق العلائقي

النظام


المركب

المحكي


الكرنفال

الازدواج
المنيبة

الرواية المتعددة الأصوات

نريد أن نؤكد أخيراً على أهمية المفاهيم الباختينية: الوضع الاعتباري للكلمة والحوار ثم الازدواج. وأن نؤكد أيضاً على أهمية بعض التصورات التي تمكنّنا منها هذه المفاهيم.

ولأن باختين حدّد الوضع الاعتباري للكلمة كوحدة صغرى في النص، فلذلك أدرك البنية في مستواها الأكثر عمقاً، أي فيما وراء الجملة والصور البلاغية. فمفهوم الوضع الاعتباري يضيف إلى صورة النص كمتن من الذرات صورة نص قائم على العلاقات، تشتغل فيه الكلمات ككمية محدّدة. فلم تعد إذن إشكالية اللغة الشعرية إشكالية السطر والمساحة بل إشكالية الفضاء واللانهائي المصاغين من طرف نظرية تحديد المجموعات والرياضيات الجديدة. والتحليل الحالي للبنية السردية تمّ صقله قصد تحديد الوظائف (الرئيسية والمساعدة) والقرائن (الحقيقية أو الإخبارية)، أو قصد النظر إلى المحكي وهو يتكون حسب جهاز منطقي أو بلاغي. وإن كنّا نعترف بقيمة هذه الأبحاث التي لا تقبل الجدال(86)، فإنه يمكن أن نتساءل ألا تثقل قبليات لغة واصفة، مصاغة صوغاً تراتبياً أو منافرة للمحكي، على مثل هذه الدراسات، ثم أليست مقاربة باختين البسيطة، المركّزة على الكلمة وعلى إمكانيتها اللامحدودة للحوار (للتعليق، للاستشهاد)، أليست في نفس الوقت أكثر بساطة وأكثر وضوحاً؟ لا ينبغي خلط الحوارية، المدينة لهيجل، بالجدل الهيجلي الذي يفترض ثلاثية يعني مقاومة وإسقاطاً (تجاوزاً)، والذي لا يخترق التقليد الأرسطي القائم على أساس الماهية والسببية. فقد قامت الحوارية مقام هذه المفاهيم مع تذويبها داخل مفهوم العلاقة، وهي لا تستهدف تجاوزاً، بل تناغماً يستتبع فكرة القطيعة (التعارض- التناظر) كنمط من التحول.

تحصر الحوارية المشاكل الفلسفية داخل اللغة، وبالضبط داخل اللغة كارتباط بين النصوص، ككتابة –قراءة تنطلق من الزوج بمنطق غير أرسطي بل تركيبي وعلائقي و "كرنفالي". ونتيجة لذلك فإن مشكلاً من المشاكل العميقة الذي ستتناوله السيميائيات الأدبية اليوم هو بالضبط هذا "المنطق الآخر" الذي ينتظر أن يوصف دون أن يتعرض لتشويه. وتوافق عبارة "الازدواج" تماماً تلك المرحلة الانتقالية للأدب الأوربي الذي هو تعايش (ازدواج)، فهو في نفس الوقت "قرين المعيش" (الواقعية –الملحمية) و "المعيش" نفسه (الاستثمار اللساني- المنيبة) قبل أن يصل ربما إلى شكل فكري مماثل لشكل الرسم = نقل الجوهر عبر الشكل، وتجسيد للفضاء (الأدبي) ككاشف للفكر (الأدبي) دون تكلف "واقعي". إنه يدفعنا إلى أن ندرس، من خلال اللغة، الفضاء الروائي وتحولاته، مقيماً بهذا رباطاً ضيقاً بين اللغة والفضاء وفارضاً علينا تحليلهما كأنماط فكرية. وبدراسة ازدواج الفرجة (التمثيل الواقعي) وازدواج المعيش نفسه (البلاغة)، يمكن أن ندرس الخط الذي تحصل فيه القطيعة (أو الاتصال) بينهما. وذلك سيكون غرافية الحركة التي فيها يمكن لثقافتنا أن تتخلص من ذاتها قصد تجاوزها.

إن المسافة التي تتكوّن بين القطبين اللذين يفترضهما الحوار، تلغي جذرياً من حقلنا الفلسفي مسائل السببية والغائية، إلخ، وتوحي بما للمبدأ الحواري من فضل على فضاء فكري أكثر شساعة من الروائي. وستكون الحوارية، أكثر من الثنائية، أساس البنية الفكرية لهذا العصر. وما يؤكد هذه الفرضية هو هيمنة الرواية والبنيات الأدبية الازدواجية والميول العشائرية (الكرنفالية) للشباب والتبادلات الكمية وفضل الرمزية العلائقية للفلسفة الصينية، وهذه ليست إلا بعض العناصر الدالة على الفكر الحديث.
هامش

(1) كتب هذا النص انطلاقاً من كتب ميخائيل باختين (مشاكل الشعرية عند دوستويفسكي موسكو 1963). ومؤلّف –فرنسوا رابليه- موسكو 1965). وقد أثرت أعماله على كتابات بعض المنظّرين السوفيات في اللغة والأدب خلال الثلاثينات (فوليشنوف وميد فديف) وهو يشتغل حالياً على كتاب جديد حول أنواع الخطاب.

(2) "… اللغة هي الوعي الواقعي، التطبيقي، الموجود من أجل الآخر. إذن الموجود بالتساوي من أجلي لأول مرة" (..”L’idéolayie allemaude”, ink, arx, F. Engels, Etudes philisophiques, ed. Sociales. 1961. P 79.)

(3) يُعدّ باختين كتاباً حول "أجناس الخطاب" محددة انطلاقاً من الوضع الاعتباري للكمة، ولا يمكننا هنا إلا أن نشير إلى بعض أفكاره في الحدود التي تلتقي فيها مع تصورات سوسير (Anagrammes, in erceire de Enance, few, 1964) لصياغة مقاربة جديدة للنصوص الأدبية.

(4) بالفعل يشير علم الدلالة البنبوي، بتعيينه للعمق اللساني للخطاب، إلى أن متوالية "في حالة توسع تكون معروفة على أنها مساوية لوحدة تواصلية أسهل منها تركيباً" ويحدد التوسع كـ "أحد المظاهر الأكثر أهمية لاشتغال الألسن الطبيعية" (A.J. Gremas, sémantique structurale, p72). إنه إذن داخل التوسع نرى المبدأ النظري الذي يسمح لنا بأن ندرس داخلة بنية الأجناس تجسيد (توسيع) البنيات الملازمة للغة.

(5) E.F Boudé (Pour une histoire de parlers de la grande Russie) Kazan 1869 Kistorii reliko ws kix govowv

(6) L.V.C zerba (la dialecte des loujïks de l’est) petrograde. 1915.

Vostotchno lijick oie nard her

(7) V.V.Vinogradov (Du discours dialogique) in Rus Kaja retch. P 144

V.V.Vinogradov (Poetika)

(8) 1926.p33

(9) يظهر أن ما نؤكد على تسميته بـ "المونولوج الداخلي" هو أصعب طريقة تعيش به حضارة ما كهوية وكذات منظمة وكتعالٍ. لكن هذا "المونولوج" لا يوجد إلا في النصوص التي تعجز عن إحياء الواقع النفسي لـ "المد اللفظي". و "داخلية (عمق) الإنسان الغربي هي إذن أثر أدبي محدود (اعتراف –كلام نفساني مستمر- كتابة تلقائية). ويمكن القول بطريقة ما أن الثورة –الكوبرنيكية "لفرويد (اكتشاف انقسام الذات) قد وضعت حدّاً لتخييل بصوت داخلي، وذلك بوضع أسس خارجية جذرية للذات في علاقتها باللغة وبنفسها.

(10) نشير إلى أن إدخال مفاهيم نظرية المجموعات في تفكير حول اللغة الشعرية ليس إلا استعارياً = وهو ممكن لأنه يمكن إقامة تماثل بين روابط المنطق الأرسطي /المنطق الشعري من جهة، واللامعدود و/ اللامحدود من جهة أخرى.

(11) Ef. Luce. Irigaray “Communication linguistique et communication spéculaire, in, cahiers pour L’analyse. N=3.

(12) نريد أن نؤكد على الدور الملتبس للنزعة الفردية الغربية = من جهة ترتبط باستتباعها لمفهوم الهوية بالفكر الجوهري السببي الذري للإغريق الأرسطية وتخضع عبر القرون لهذا المظهر الحركي العلماني أو اللاهوتي للثقافة الغربية.

وتقوم من جهة أخرى انطلاقاً من مبدأ الاختلاف بين "الأنا" و "العالم" بالبحث عن وسائط بين المصطلحين أو التنضيد داخل كل منهما لجعل منطق علائقي ممكناً انطلاقاً من نفس مادة المنطق الصوري.

(13) لعل هذه الظاهرة هي التي كان باختين بصددها عندما كتب = "لا يمكن للغة الروائية أن تنحصر في مساحة أو خط. إنها نظام من المساحات المتقاطعة ولا يوجد المؤلّف كمبدع لهذا الكل الروائي في أية مساحة لغوية =إنه ينحصر في هذا المركز الضابط الذي يمثله تقاطع المساحات. وتوجد كل المساحات في مسافة مختلفة من مركز المؤلّف". (“slovo romane” dam voprosy litaery, 8, 1965) . حقاً إن المؤلف ليس إلا سلسلة من المراكز = أن نخصه بمركز واحد يعني أن نلزمه بموقف مونولوجي ولاهوتي.

(14) لقد تبنى كل منظري الرواية هذه الفكرة =أ. تهيبودي في "محاولات حول الرواية" 1938 وكوسكيمي في "نظرية الرواية" 1935 و.ج. لوكاتش في "نظرية الرواية" 1963.. الخ. واقتربت الدراسة المهمة لواين. ص. بوت من أطروحة الرواية كحوار في كتابه "بلاغة التخييل" جامعة شيكاغو للنشر 1961 وتحيل أفكاره حول الكاتب المقروء واللامقروء إلى الأبحاث الباختينية حول الحوارية الروائية دون الربط مع ذلك بين "الإيهام" الروائي وبين الرمزية اللسانية.

(15) استطاع البعض أن يجد هذا النمط المنطقي في الفيزياء الحديثة وفي الفكر الصيني القديم = هماً معاً ضدّ الأرسطية وضد المونولوجية وهما معاً حواريتان.

انظر في هذا الموضوع =

Hayakawa S.I “What is meant by Aristotelian structure of language” dans, langage, Meaning and maturity, New york 1959, Chang Tung Sun ‘ Achinese philosopher’s theory of Know ledge” dans. Our language our World, Newyork, 1959 et dans Tel quel 38 sous le titre: la logique chinoise, j. Nadhan, Sieae and civilisaltion in china, vol. II. Canbrige. 1965.

(16) انظر في هذا الموضوع أهمية مجموعة الدراسات حول بنية المحكي (ر.بارت، أجريماس، ك بريمون إكو. ج كريتي، موران. ك. ميت، ت تودوروف.ج جنيت في 8 Communication).

_________________
+. عـلـمـنـــي غموضي .+.
أن لكل داء دواء أمر منه
إلا رهف الإحساس و رقة المشاعر
التي لم ولن تستطيع مسايرة الواقع الأليم

url=http://www.0zz0.com][/url]
عضوة حلف الكتاكيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Islam . M . R
رجل المستحيل
رجل المستحيل


ذكر
عدد الرسائل : 10843
الأوسمه :
السٌّمعَة : 456
نقاط : 23992
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الأربعاء أبريل 30, 2008 6:18 pm

رائع جدا يا دكتورة شكرا جزيلا
تحياتي

_________________



سكوتي .. لا يعني جهلي بما يدور من حولي .. بل أن من حولي لا يستحق الرد!!!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://thebestgeo.hooxs.com
Jane
مشرفة قسم الروايات والمجالات العامة
مشرفة قسم الروايات والمجالات العامة


انثى
عدد الرسائل : 2491
الأوسمه :
السٌّمعَة : 13
نقاط : 3622
تاريخ التسجيل : 20/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   الخميس مايو 01, 2008 2:35 pm

شكرررررررررا جزيلا يا فاطمة

والى الامااااااااااام دائما
[img][img]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Love Angel
برنسيسة المنتدى
برنسيسة المنتدى


انثى
عدد الرسائل : 4070
السٌّمعَة : 2
نقاط : 3168
تاريخ التسجيل : 08/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن   السبت أغسطس 02, 2008 12:54 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الكلمة والحوار والرواية ـــ تأليف: جوليا كرستيفا ت: حسن المودن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجامعة العربية :: منتدى كلية الاداب والتربية :: منتدى اللغه العربية-
انتقل الى: